فخ الرخص الوهمي.. سيارات الغمر تغزو الطرقات وغياب الخبرات والقطع البديلة يبعد الجودة عن شوارعنا !

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية- إلهام عثمان:

في غضون عامين فقط، شهد سوق السيارات السوري تحولاً دراماتيكياً غير مسبوق، فالسيارات التي كانت تباع بأسعار تتراوح بين 25 و40 ألف دولار انهارت قيمتها إلى ما بين 5 و7 آلاف دولار، بعد قرارات تحرير الاستيراد التي دخلت حيز التنفيذ عام 2025.

وزارة النقل: نعمل بشكل مستمر على تطوير آليات الفحص الفني وتعزيز دقته والحد من دخول المركبات غير الصالحة إلى الخدمة

فرحة انخفاض الأسعار لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما اصطدم المواطنون بواقع مرير: سيارات حديثة لا تجد من يصلحها، وقطع غيار شبه معدومة، وفنيون يعترفون بعجزهم عن فهم أنظمة إلكترونية معقدة، وهنا يطرح سؤال هام.. هل يجد السوري اليوم فرصة حقيقية في هذا السوق، ليقتني سيارة العمر، أم إنه دخل في فخ الرخص الوهمي؟

الفحص الفني يمنع دخول المركبات غير الصالحة

فيما يتعلق بسلامة المركبات وحوادث الطرق، أوضح رئيس دائرة الإعلام بوزارة النقل عبد الهادي شحادة، عبر تصريح لـ”الحرية”، أن وزارة النقل تؤكد على أن أي مركبة لا تستوفي شروط الفحص الفني المعتمدة لا يتم منحها الترخيص أو إدخالها في الخدمة، حيث تخضع جميع المركبات لإجراءات فحص فني قبل التسجيل وفق الأنظمة النافذة، وتعمل الوزارة بشكل مستمر على تطوير آليات الفحص الفني وتعزيز دقته، بما يضمن الحد من دخول المركبات غير الصالحة إلى الخدمة، حفاظاً على السلامة المرورية.

الخن: تكلفة الإصلاح تلتهم بين 30 و60% من قيمة السيارة و50% من الأعطال الكبيرة تظهر خلال الأشهر الستة الأولى من الاستخدام.

تخفيض الرسوم إلى 2500 دولار وصدمة السوق

من جانبه أوضح الخبير الاقتصادي سالم الخن، أن عام 2025 شهد نقلة نوعية في السياسة الاقتصادية السورية، و تمثلت بالسماح باستيراد السيارات المستعملة (حتى عمر 15 سنة) والجديدة، بعد سنوات طويلة من المنع، ورافق ذلك تخفيض حاد في الرسوم الجمركية لتصل إلى حوالي 2,500 دولار لبعض الفئات، ما جعل سوريا لفترة وجيزة من أقل دول المنطقة من حيث الرسوم الجمركية.
إلا أن التدفق الكبير للسيارات دفع الجهات المعنية إلى إصدار القرار رقم 4 لعام 2025، الذي نظم عملية الاستيراد ووقفها مؤقتاً بهدف ضبط فاتورة الاستيراد.

صدمة سعرية قاسية

كما أدى الانتقال من سوق مغلق بأسعار خيالية إلى سوق مفتوح لـ(صدمة سعرية) وفق ما أوضحه الخن، وأن السيارة التي كانت تباع بأسعار خيالية فقدت قيمتها بين ليلة وضحاها، حيث تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن أكثر من 70% من القيمة السوقية للمركبات الموجودة قبل التحرير قد تبخرت، وهو ما اعتبر تدميراً لمدخرات الأفراد الذين اشتروا سياراتهم بأسعار الذروة.

سيارات أعيد تدويرها تجارياً

و الجانب الأكثر خطورة في موجة استيراد السيارات الغمر، حسب رأي الخن، هو تدفق سيارات “Salvage” – أي المتضررة من غرق أو حوادث، والتي أعيد تدويرها تجارياً، مضيفاً: أنه هناك تقارير تؤكد أن نسبة السيارات في المزادات الخليجية تتراوح بين 20 و30%، وهي تجد طريقها بسهولة إلى أسواق ذات ضوابط فنية منخفضة مثل السوق السوري، حيث يغري السعر المنخفض المشترين دون إدراك للمخاطر.

الإصلاح يلتهم من قيمة السيارة

كما يكشف واقع السوق أن المشتري يكتشف لاحقاً أن تكلفة إصلاح السيارات المتضررة (خاصة تلك التي تعرضت للغرق) تلتهم بين 30% و60% من قيمة السيارة الأصلية خلال السنة الأولى، بسبب الأعطال الهيكلية والكهربائية المتكررة، حسب رؤية الخن، والأكثر خطورة أن أكثر من 50% من الأعطال الكبيرة في هذه السيارات تظهر خلال الأشهر الستة الأولى من الاستخدام.

أزمة مضاعفة

كما يكشف الواقع الحالي عبر رأي الخن، أن هناك أزمة أعمق تتمثل بأنه جزء كبير من السيارات الحديثة المستوردة لا يمكن إصلاحها محلياً لسببين رئيسيين:
أولاً: انعدام قطع الغيار: فمع تعدد مناشئ الاستيراد وغياب الوكلاء الرسميين لسنوات، لم تتشكل أي سلسلة توريد منتظمة لقطع الغيار.
وهنا قال أحد الفنيين خالد برجس، أن بعض الورش تعتمد على التشليح أو القطع البديلة غير الأصلية، وهو ما يفشل مع الأنظمة الإلكترونية الحديثة.
ثانياً: نقص الخبرات الفنية، لمدة تجاوزت 14 سنة من الحصار والعقوبات، وانقطع الفنيون السوريون عن التدريب على تقنيات السيارات الحديثة، واليوم، يفتقر معظم الفنيين إلى أدوات التشخيص والخبرات اللازمة للتعامل مع هذه التقنيات.

غياب الوكلاء يضاعف التكاليف

وبسبب غياب الوكلاء الرسميين عن السوق السوري نتيجة العقوبات والظروف الاقتصادية، أدى ذلك إلى غياب سلاسل القيمة (الصيانة الاحترافية والقطع الأصلية)، كما أكد الخن على أنه ببداية عام 2026، بدأت تظهر تقارير عن محاولات لعودة بعض الوكالات لضبط السوق، لافتاً إلى أنه في ظل غياب تلك الوكالات والمراكز المتخصصة، ترتفع كلفة الصيانة في الورش غير المنظمة بنسبة 2 إلى 3 أضعاف، نتيجة تكرار الأعطال، استخدام قطع غير أصلية، والافتقار للخبرة الفنية اللازمة.

السيارات الكهربائية.. كابوس إضافي

أما بالنسبة للسيارات الكهربائية، يضيف الخبير، بينت الدراسات الاقتصادية وأكدت أنه هناك اضمحلالاً بمراكز الصيانة المتخصصة والخبراء الفنيين، والذي تتجاوز نسبة 90% في سوريا، والمفارقة؛ أن تكلفة استبدال البطارية حسب رأي أحد مالكيها تتراوح بين 5 آلاف و15 ألف دولار – وهو مبلغ قد يتجاوز القيمة السوقية للسيارة نفسها في ظل انهيار الأسعار الحالي.

المركبات الكهربائية

فيما يخص الحوادث المرتبطة بالمركبات الكهربائية وآليات الاستجابة لها، صرح المكتب الاعلامي في وزارة النقل إن التعامل مع حوادث الحريق أو الطوارئ يندرج ضمن اختصاص الجهات المعنية بوزارة الطوارئ والدفاع المدني.

حلول لامعة

للخروج من هذه الأزمة، يقترح الخن العمل على محورين متكاملين: الأول، تشديد الرقابة على الاستيراد من خلال اعتماد نظام إلكتروني إلزامي لتسجيل المركبات وتوثيق بياناتها قبل دخولها، مع إخضاعها لفحص فني شامل في بلد المنشأ وفق مواصفات معتمدة، والثاني، إنشاء صندوق دعم فني يهدف إلى تأهيل مراكز الصيانة المحلية ورفع كفاءة الفنيين عبر برامج تدريبية متخصصة، إضافة إلى تسهيل استيراد قطع الغيار الأصلية وتخفيض رسومها، لتتكامل جهود ضبط جودة المركبات المستوردة مع تطوير قدرات السوق المحلية على صيانتها، بما يحقق الاستدامة والسلامة المرورية.

سوق بلا صيانة هو سوق بلا مستقبل

وهنا نجد أن المواطن السوري يقف اليوم أمام معادلة صعبة: سيارة رخيصة الثمن لكن تكاليف صيانتها قد تضاعف قيمتها خلال أشهر، أو سيارة حديثة لا يجد من يصلحها أو انعدام لبعض قطع غيارها، ليبين الخن، أن تحرير السوق كان خطوة ضرورية لكسر الاحتكار، لكن غياب الرقابة الفنية، ومراكز الصيانة، وسلاسل توريد قطع الغيار، والخبرات الفنية المتخصصة، حوّل الحلم إلى كابوس.
هنا نقف لبرهة: بعد كل هذه الأرقام والحقائق.. هل ستتمكن الجهات المعنية والوكلاء العائدون من معالجة هذه الاختلالات قبل أن تتحول أزمة الصيانة إلى كارثة مرورية واقتصادية شاملة؟ أم أن الحلول في طريقها إلينا، سؤال نضعه بين إيدي المعنيين.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار