تحويل رأس المال البشري من بند تكلفة إلى أصل استثماري ديناميكي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ باسمة اسماعيل:

تعيد التحولات الاقتصادية العالمية تعريف مصادر القيمة داخل المؤسسات والشركات، ولم تعد الأصول المادية وحدها كافية لتفسير التفوق التنافسي، بل أصبح تعظيم إنتاجية رأس المال البشري معياراً حاسماً في قياس الأداء والنمو.

كلفة الإخفاق

تشير تجارب موظفين سابقين في القطاعين العام والخاص إلى أن غياب الرؤية الاستراتيجية في إدارة الموارد البشرية يدفع بالكفاءات إلى المغادرة، «محمد» أحد العاملين السابقين في شركة خاصة يقول لـ«حرية»: إن بيئة العمل لم تكن عادلة، لا يوجد تقييم حقيقي للأداء، ولا فرص للتطور، فكان الرحيل الخيار الوحيد، وفي السياق ذاته يوضح موظف سابق في جهة حكومية: أن الروتين وتعقيد الإجراءات داخل إدارة الموارد البشرية أوجد حالة من الإحباط، حيث تصبح المبادرات عبئاً بدلاً من أن تكون فرصة للتطوير.

تعكس هذه الشهادات خللاً هيكلياً يظهر عندما تنحصر وظيفة الموارد البشرية في الأطر البيروقراطية، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وارتفاع تكاليف دوران العمل، وبالتالي استنزاف الموارد الاقتصادية للمؤسسة.

الاستبقاء المنتج

في المقابل، تبرز نماذج ناجحة لمؤسسات وشركات استطاعت بناء بيئات عمل جاذبة، حيث تقول «وهاد» موظفة في إحدى القطاعات الخدمية: الضغط موجود، لكن وجود برامج تدريب مستمرة وحوافز واضحة يجعلني أشعر بأنني أتطور وأصبحت أُقدَّر، ويؤكد المتقاعد نزار أبو أيمن (موظف سابق في شركة خاصة) قائلاً: كانت إدارة الموارد البشرية ، تتابع أداءنا، وتوفر أدوات التطوير، وتربط جهودنا بنتائج ملموسة.

تعكس هذه التجارب أن الاستثمار في التدريب والتحفيز لا يرفع فقط مستوى الرضا الوظيفي، بل يسهم مباشرة في تحسين الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة.

التكامل بين الموارد البشرية والتسويق أداة استراتيجية لإنتاج القيمة الاقتصادية

استثماري ديناميكي

ومن جهته ابراهيم محرز المدرب الدولي بأكاديمية الشباب العربي للتنمية والتدريب، ومحاضر سابق في كلية الاقتصاد باللاذقية يوضح لـ «الحرية»، أنه في ظل الاقتصاد المعرفي وتصاعد حدة المنافسة، تبرز المهارات والابتكارات كعناصر إنتاج رئيسية، ما يدفع المؤسسات الحكومية والخاصة، إلى إعادة صياغة أدوارها الإدارية، خصوصاً في مجالي الموارد البشرية والتسويق، ضمن منظور اقتصادي يركز على تعظيم العائد وتقليل الهدر، ومن هذا المنطلق، يتحول رأس المال البشري من بند تكلفة إلى أصل استثماري ديناميكي يعيد تشكيل معادلة القيمة الاقتصادية، وبين مؤسسات تعاني من نزيف الكفاءات، وأخرى تنجح في استقطابها والاحتفاظ بها،وهنا تتجلى بوضوح الأهمية الاستراتيجية لإدارة الموارد البشرية.

تكامل القيمة

ويبين محرز أنه يمكن تجاوز هذه الفجوة، من خلال طرح نموذج متقدم يقوم على دمج إدارة الموارد البشرية مع التسويق ضمن إطار اقتصادي متكامل، مؤكداً أن هذا التكامل يمثل استراتيجية فعالة لتعظيم النتائج المؤسسية عبر قياس القيمة المالية المضافة، وزيادة الإنتاجية، وتقليل التكاليف، وتحقيق عائد ملموس على الاستثمار.

ويضيف: أن هذا الطرح  يستند إلى عدة محاور رئيسية، من أبرزها: رفع إنتاجية العمل من خلال الاستثمار في التدريب وتطوير المهارات، و تقليل تكاليف دوران العمل عبر الاحتفاظ بالكفاءات، و تحسين الأداء المؤسسي من خلال أنظمة تقييم عادلة ومحفزة ، و قياس العائد على الاستثمار في رأس المال البشري  (HCROI)

ويتابع المدرب محرز أنه في المقابل، يسهم التسويق في تعزيز النمو الاقتصادي عبر توسيع الحصة السوقية، وبناء قيمة العلامة التجارية، وقياس العائد على الاستثمار التسويقي (ROMI) وعند تكامل الوظيفتين، تتولد قيمة اقتصادية مشتركة، حيث يتحول الموظفون إلى سفراء للعلامة التجارية، ما يعزز ثقة العملاء ويخفض تكاليف استقطابهم.

مخاطر التطبيق

كما يشير محرز إلى أن التفعيل الاستراتيجي لإدارة الموارد البشرية يساهم في تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة، تشمل رفع كفاءة الإنتاجية، وخفض التكاليف التشغيلية، وتعظيم العائد على الاستثمار في التدريب، وتقليل معدلات الدوران الوظيفي، إضافة إلى تعزيز الابتكار والقدرة التنافسية، منوهاً بأن هذا التحول لا يخلو من تحديات، إذ قد يؤدي سوء التطبيق إلى نتائج عكسية، خاصة عندما تهيمن البيروقراطية على الأداء، أو ترتفع التكاليف دون تحقيق عائد واضح، أو تواجه المؤسسات مقاومة داخلية للتغيير.

رهان اقتصادي

ويلفت المدرب الدولي في ختام حديثه إلى أن المؤشرات تؤكد أن إدارة الموارد البشرية لم تعد وظيفة تنظيمية تقليدية، بل أداة استراتيجية لإنتاج القيمة الاقتصادية، وعندما تدار ضمن رؤية متكاملة مع التسويق، تتحول إلى محرك رئيسي للنمو المستدام وتعزيز التنافسية، أما تجاهل هذا التحول، فيضع المؤسسات أمام تحديات متصاعدة في بيئة اقتصادية لا تعترف إلا بالكفاءة والقدرة على خلق القيمة.

ويرى أن الانتقال من إدارة الموارد البشرية كإدارة إدارية تقليدية إلى شريك استراتيجي، يعد أمراً حتمياً لمواجهة تحديات المنافسة المتزايدة.

Leave a Comment
آخر الأخبار