تقارب اقتصادي يعيد الأمن الغذائي إلى الواجهة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة ابوتك:

زيارة الوفد الأوكراني إلى دمشق تأتي في توقيت استراتيجي، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع الحاجة الملحة للأمن الغذائي، ما يمنح التحركات الحالية بعداً عملياً يتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، المؤشرات الحالية تشير بوضوح إلى أن القمح والمواد الغذائية الأساسية سيكونان في صلب أي تعاون محتمل بين دمشق وكييف، في حين تسعى أوكرانيا لإعادة تثبيت حضورها في أسواق كانت جزءاً من تجارتها قبل سنوات الحرب.

الخبير الاقتصادي ملهم جزماتي يوضح في تصريح لـ”الحرية” أن الزيارة لا تعد إطلاقاً لشراكات استثمارية جديدة مباشرة، بل هي خطوة لإعادة فتح علاقة اقتصادية كانت قائمة سابقاً، حيث يبرز القمح كمدخل رئيسي للتعاون في المرحلة الراهنة، ويشير جزماتي إلى أن تجربة أوكرانيا السابقة كمورد أساسي للقمح والشعير إلى سوريا قبل الحرب تمنح هذا المسار مصداقية وواقعية، إذ لم يكن التعاون الحالي وليد الصدفة، بل استمرار لمسار تجاري سابق.

خلفية تاريخية علاقة تأسست على الحبوب

قبل عام 2011، كانت سوريا تنتج القمح بشكل شبه مكتفٍ، لكنها تحولت في بعض المواسم إلى مستورد جزئي بسبب عوامل مناخية وتراجع الإنتاج. في تلك المرحلة، لعبت أوكرانيا دوراً محورياً كمورد للحبوب، مستفيدة من كونها واحدة من أكبر مصدري القمح عالمياً. ومع اندلاع الحرب، تراجعت قنوات التبادل التجاري بشكل كبير، لتدخل العلاقة الاقتصادية في حالة جمود شبه كامل. ولذلك، فإن أي تقارب اليوم يبدأ عملياً من النقطة التي توقفت عندها تجارة الحبوب والمواد الغذائية الأساسية.

من المساعدات إلى اختبار السوق

يشير جزماتي إلى أن التحركات الأوكرانية الأخيرة، بما في ذلك إرسال شحنات من دقيق القمح عبر برنامج الأغذية العالمي، تعكس مرحلة تمهيدية لاختبار السوق السورية، وتقييم قدرات القنوات اللوجستية والمالية قبل الانتقال إلى توريد منتظم، ويؤكد أن النجاح في هذه العلاقة لن يقاس بحجم الزيارات أو التصريحات الرسمية، بل بقدرة الطرفين على إبرام عقود توريد مستقرة تضمن استمرارية التدفقات، خصوصاً في سلعة حساسة كالقمح.

أرقام محدودة… وقابلية للنمو

رغم محدودية حجم التجارة الحالي بين سوريا وأوكرانيا، يرى جزماتي أن ذلك لا يعكس ضعف الإمكانيات، بل طبيعة العلاقة التي تركز على السلع الأساسية. ويضيف أن هذه القطاعات تتمتع بإمكانات نمو سريعة إذا توفرت بيئة مناسبة للنقل والدفع والتأمين. ويشير إلى أن الطلب في السوق السورية على هذه السلع واضح، لكن التحدي يكمن في تأمين قنوات مستقرة وآمنة للتوريد، وهو ما يتطلب تنسيقاً لوجستياً ومالياً محكماً.

تركيا… عنصر محوري في المعادلة

في السياق الإقليمي، يؤكد جزماتي على الدور الحاسم الذي تلعبه تركيا في أي مسار تجاري بين سوريا وأوكرانيا، نظراً لموقعها الجغرافي وشبكات النقل القائمة. وتزامنت زيارة الوفد الأوكراني مع تحركات اقتصادية سورية تجاه أنقرة وزيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ما يعكس رغبة في إعادة تفعيل القنوات التجارية الإقليمية. ويشير جزماتي إلى أن الربط بين هذه القنوات وبين التعاون السوري–الأوكراني في الحبوب قد يسرّع وتيرة التبادل، ويخلق فرصاً جديدة لاستقرار الإمدادات الغذائية.

شروط الانتقال من التقارب إلى شراكة

يؤكد جزماتي أن الفرصة قائمة لإعادة بناء علاقة اقتصادية قوية بين البلدين، لكنها مرتبطة بعدة شروط أساسية: استقرار آليات الدفع، توفر خطوط نقل موثوقة، وتفاهمات واضحة على مستوى التوريد. المرحلة الحالية يمكن وصفها بـمرحلة اختبار، حيث يتم تقييم جدوى التعاون وإمكانية تطويره قبل الانتقال إلى مستويات أوسع من التبادل.

القمح بوابة لاستعادة العلاقة الاقتصادية

زيارة الوفد الأوكراني تؤكد أن القمح والمواد الغذائية الأساسية سيظلان في قلب العلاقة الاقتصادية بين دمشق وكييف، ضمن مسار تدريجي يقوم على استعادة التبادل في السلع الحيوية وليس على استثمارات كبرى فورية. ويظل نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرته على التحول من إشارات سياسية إلى تدفقات تجارية منتظمة، قادرة على تلبية احتياجات السوق السورية، وفي الوقت نفسه إعادة فتح سوق واعدة أمام الصادرات الأوكرانية.

Leave a Comment
آخر الأخبار