الحرية – جهاد اصطيف:
شهد سعر الصرف خلال الفترة الماضية سلسلة من التقلبات الحادة، هذه التحركات المفاجئة، التي تزامنت مع فقدان العملة الوطنية جزءاً كبيراً من قيمتها، أصبحت ظاهرة لافتة تستدعي تسليط الضوء على تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يلاحظ العديد من الخبراء أن الوضع الحالي يعكس هشاشة بنيوية في السوق النقدية السورية، مع غياب أدوات رقابية فعالة، ما يجعل السوق عرضة للتلاعب والمضاربات، ويؤدي إلى زيادة الضغوط المعيشية على المواطنين.
بين الانخفاض والارتفاع المفاجئ
في الفترة الأخيرة، تباين سعر صرف الدولار بشكل غير اعتيادي، حيث تراجعت الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي من نحو 13.600 ليرة إلى 12.700 ليرة في غضون يومين فقط، قبل أن يعاود السعر الارتفاع إلى 13.200 ليرة في يوم واحد، هذا التقلب السريع في سعر الصرف لا يمكن تفسيره على أنه مؤشر لتعافي الليرة، بل هو دليل واضح على حالة من الاضطراب البنيوي في السوق.
الخبير الاقتصادي أمير حلبي أشار في حديثه لـ ” الحرية ” إلى أن هذه التحركات تؤكد غياب أي مؤشرات اقتصادية حقيقية تدعم الأسعار في السوق، مبيناً أن هذا التذبذب يعكس هشاشة السوق النقدي التي لا تعكس توازناً طبيعياً بين العرض والطلب، بل هي نتاج عوامل غير اقتصادية تحكمها المضاربات.
الواقع الصعب والآفاق المظلمة
وفقدت الليرة السورية الكثير من قوتها الشرائية منذ أن كان سعر الدولار يقف عند حدود 50 ليرة، وهو ما يجعلها عرضة للتذبذب الشديدة نتيجة لتقلبات متواضعة في حجم المعروض من الدولار، هذا الفقدان المستمر للقيمة يجعل المواطنين أكثر عرضة للضغوط الاقتصادية، حيث يتضاعف تأثير التذبذب على أسعار السلع الأساسية مثل السكر والشاي والأرز وحتى الخضار والفواكه، التي شهدت زيادات كبيرة في الأسعار في الآونة الأخيرة.
السوق الموازي: هل هو الحلقة الأضعف؟
لا يزال الفارق بين السعر الرسمي الذي يحدده مصرف سوريا المركزي والسعر الذي يشهده السوق الموازي يعد من أكبر التحديات التي تواجه السوق السوري. فعلى الرغم من أن مصرف سوريا المركزي أبقى السعر الرسمي ثابتاً عند حدود 11 ألف ليرة للشراء و11,100 ليرة للبيع ” عملة قديمة “، فإن السوق الموازي شهد اختلافات كبيرة، حيث تراوحت الأسعار بين 12,700 ليرة و13,600 ليرة خلال فترة قصيرة.
الخبير الاقتصادي يوضح أن هذا الفارق الكبير بين السعر الرسمي والموازي لا يعكس الواقع الاقتصادي، بل يظهر أن السوق الرسمي لم يعد له تأثير فعلي، واعتبر أن استمرار هذا التباين يساهم في تضخم السوق السوداء ويسمح بتزايد نشاط المضاربات التي لا تخدم الاقتصاد الوطني.
قوى غير منظمة تسيطر على السوق
تجدر الإشارة إلى الدور الكبير الذي تلعبه الشبكات غير الرسمية والصرافات التي تمتلك كميات كبيرة من الدولار في تحديد سعر الصرف في السوق الموازي، هذه الشبكات لا تعمل وفقاً لأي ضوابط اقتصادية منطقية، بل تسيطر على أسعار الصرف من خلال عرض وطلب مفتعل، وتلعب المنصات غير الرسمية، خصوصاً الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، دوراً محورياً في توجيه توقعات السوق، ما يساهم في خلق سعر وهمي لا يعكس الوضع الاقتصادي الفعلي.
ضغوط اقتصادية متزايدة
ولعل التقلبات الحادة في سعر صرف الليرة السورية تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للسوريين، فالأسعار ترتفع بشكل مستمر، ما يقلل من القدرة الشرائية للغالبية العظمى من المواطنين، وبالنظر إلى الوضع الحالي، حيث إن متوسط الراتب الشهري يكاد يتجاوز 100 دولار بقليل، يجد المواطن السوري نفسه عالقاً بين أزمات اقتصادية لا تنتهي.
كيف يمكن إعادة الاستقرار؟
ويرى خبراء أن استقرار سعر الصرف لا يمكن تحقيقه عبر الإجراءات الشكلية أو البيانات الإعلامية التي يصدرها المصرف المركزي، بل يتطلب الأمر إعادة بناء منظومة نقدية شفافة، مع توفير منصة رسمية فعالة لتداول العملات الأجنبية. بالإضافة إلى تعزيز الثقة في السياسات الاقتصادية وتعزيز دور الأجهزة الرقابية.
ولعل حالة التقلبات الحادة التي تشهدها الليرة السورية تمثل تحدياً كبيراً ليس فقط على صعيد الاقتصاد الكلي، بل على صعيد حياة المواطنين اليومية. وبحسب الخبراء، فإن معالجة هذه الأزمة تتطلب خطوات جادة نحو تعزيز الشفافية وتفعيل أدوات الرقابة وتنظيم السوق النقدي بشكل أكثر فعالية، ففي غياب هذه الإجراءات، ستظل الليرة السورية عرضة لمزيد من التقلبات والمخاطر التي تزيد من معاناة المواطن السوري في ظل ظروف اقتصادية معقدة.