خطر اقتصادي واجتماعي.. معالجة التضخم تتطلب نموذجاً اقتصادياً يستجيب لخصوصية الحالة السورية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- سناء عبد الرحمن:

يُعد التضخم مؤشراً مباشراً على مستوى استقرار الاقتصاد الكلي، إذ تعكس معدلاته المرتفعة اختلالاً في الأسعار وتراجعاً في القوة الشرائية، وفي سوريا تحوّل التضخم خلال السنوات الماضية إلى أزمة متراكبة ذات آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية، ما جعله أحد أبرز التحديات أمام معيشة المواطنين وإمكانات التعافي.

خصوصية الحالة السوريّة

المدرس في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا في اللاذقية الدكتور وجد رفيق الصائغ يؤكد لـ”الحرية” أن التضخم في سوريا لم يعد مجرد ارتفاع رقمي في الأسعار، بل أصبح صدمة هيكلية تفكك النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
فنحن لا نتعامل مع معادلات مجردة، بل مع حياة بشرية تُقاس بقيمتها الإنسانية، وإن معالجة التضخم تتطلب نموذجاً اقتصادياً يستجيب لخصوصية الحالة السورية، حيث يصبح إنقاذ الطبقة الوسطى مشروعاً وطنياً يجمع بين الإصلاح المؤسسي والإصلاح الاقتصادي، لأن ما يجب إنقاذه ليس أرقاماً فقط، بل مستقبل المجتمع.

أسباب الارتفاع

الصائغ أشار إلى أن البلاد شهدت منذ عام 2011 ارتفاعاً حاداً وتقلباً واسعاً في معدلات التضخم نتيجة عوامل متداخلة على جانبي العرض والطلب في السوقين السلعية والنقدية، وتشمل هذه العوامل الضغوط الاقتصادية المترافقة مع الحرب، وارتفاع سعر الصرف وما ترتب عليه من زيادة كلفة المستوردات، إضافة إلى تراجع العرض من السلع والخدمات.

البعد السلوكي ودوامة التوقعات

وأشار الدكتور الصائغ إلى أن التضخم، لم يقتصر على العوامل المادية، بل اكتسب بعداً نفسياً وسلوكياً، بسبب تداعيات الحرب والحصار وندرة السلع، فأي توقع أو إشاعة عن ارتفاع أسعار سلعة أو انقطاعها، يدفع بالناس إلى الشراء والتخزين، وبالتالي إلى زيادة الطلب ودفع الأسعار للارتفاع فعلياً، في حلقة تغذي نفسها.

تراجع المؤشر وبقاء العبء

كما بين الصائغ أن بيانات عام 2025 أظهرت تراجعاً في معدل التضخم، حسب تصريحات حاكم مصرف سورية المركزي الدكتور عبد القادر حصرية، الذي أشار إلى انخفاضه من 170% إلى نحو 15%، نتيجة فتح باب الاستيراد وخفض الرسوم الجمركية وتحسن سعر الصرف، ومع ذلك لا تزال الأسعار المرتفعة تضغط على الدخل الحقيقي وتستنزف المدخرات.

تآكل الطبقة الوسطى

يتابع د. الصائغ أعادت الأسر ترتيب أولوياتها مع تركيز الإنفاق على الغذاء والطاقة على حساب التعليم والاستثمار، ووفقاً لتصريحات جمعية حماية المستهلك السورية، بلغ الحد الأدنى لتكاليف المعيشة لأسرة من خمسة أفراد في دمشق نحو 9 ملايين ليرة سورية شهرياً، ودفع ذلك شريحة واسعة إلى استهلاك المدخرات أو بيع أصول صغيرة.

هشاشة العمالة

وأضاف د.الصائغ اتجاه عدد متزايد من العاملين إلى وظائف مؤقتة أو إلى الاقتصاد غير الرسمي بحثاً عن دخل فوري، وهذا التحول يؤدي إلى زيادة هشاشة العمالة وتقليص الإيرادات الضريبية، ما يحد من قدرة الدولة على تمويل الحماية الاجتماعية والاستثمار العام.

مسارات المعالجة

تتطلب مواجهة التضخم استقرار سعر الصرف عبر انضباط المالية العامة، ودعم التصدير لتأمين تدفقات نقدية بالعملة الأجنبية، وتحفيز العرض المحلي بدعم الزراعة والصناعات الصغيرة من خلال تسهيلات ائتمانية ومدخلات إنتاج مدعومة مؤقتاً، وتحسين الخدمات اللوجستية لتقليل اختناقات العرض.
يؤكد الصائغ أن واقع التضخم في سوريا تجاوز كونه مؤشراً اقتصادياً ليصبح تحدياً مجتمعياً شاملاً، ومع أن بعض المؤشرات تحسنت في عام 2025، إلا أن العبء ما زال قائماً، ما يجعل إنقاذ الطبقة المتوسطة شرطاً أساسياً لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار