الحرية- حسيبة صالح :
بدأت الليلة بعزفٍ يشبه الحلم.. على خشبة مسرح الأوبرا بدمشق، مساء أمس الخميس، عندما أطلقت الأوركسترا السيمفونية الوطنية السورية أمسيتها “إسبانيا الساحرة” بقيادة المايسترو ميساك باغبودريان، وبحضور البيانو الذي يعرف طريقه إلى الذاكرة… بيانو الدكتور غزوان زركلي، الذي دخل إلى المسرح وكأنه يدخل إلى موعد قديم ينتظره منذ سنوات.
افتُتح البرنامج بمقطوعة “ليالي حدائق إسبانيا” لمانويل دو فايا، حيث تنقّل الجمهور بين جنة العريف وحدائق الحمراء وحدائق قرطبة. كان عزف زركلي أشبه بيدٍ تزيح الستارة عن مشهدٍ من الضوء، يروي ولا يعزف، ويعيد رسم الحدائق في وجدان الحاضرين. كل نغمة كانت تحمل دفئًا، وهدوءًا، وعمقًا يشبه خطوات فنان يعرف تمامًا كيف يفتح باب الذاكرة دون أن يطرقه.
ثم جاء الدور على اللحظة التي انتظرها كثيرون… “غويسكاس مصنف رقم 11” لإنريكيه غرانادوس، بتوزيع أوركسترالي للموسيقار الراحل صلحي الوادي. هذه المقطوعة لم تكن مجرد جزء من البرنامج، بل كانت عودة إلى عام 1993، إلى أول نبضة عزفتها الأوركسترا في تاريخها. وما إن بدأ زركلي بالعزف حتى تغيّر الهواء في القاعة؛ كأن الزمن انحنى قليلًا ليصغي.
ومع آخر جملة موسيقية، انفجر المسرح بتصفيقٍ حار، تصفيقٍ يشبه العناق، تصفيقٍ يقول: “نحن نتذكّر… ونحن نحب.” وقف الجمهور احترامًا، ووقف معه الماضي والحاضر في لحظة واحدة.
بعدها، تابعت الأوركسترا رحلتها الإسبانية: “رقصة النار” من الحب الساحر، و*“رقصة إسبانية”* من الحياة القصيرة، قبل أن تُختتم الأمسية بمقطع من زواج لويس ألونسو لخيرونيمو خيمينيز، حيث امتزجت الحيوية بالبهجة، واكتملت الدائرة الموسيقية التي بدأت بالحدائق وانتهت بالاحتفال.
وكان من بين الحضور وفد من السفارة البحرينية، الذين شاركوا دمشق لحظتها الفنية، وأضافوا بحضورهم دفئًا عربيًا جميلًا، وكأن الموسيقا جمعت القلوب قبل أن تجمع المقاعد.
وفي زاوية من القاعة، كانت السيدة ناديا – التي حضرت الحفل الأول عام 1993 – تبتسم وهي تتابع عزف زركلي، وتهمس لمن بجوارها:
“غويسكاس اليوم ليست كما كانت… هي أعمق، أهدأ، لكنها تحمل نفس الوعد: أن الموسيقا قادرة على أن تعيدنا إلى أنفسنا.”
وهكذا، لم تكن الأمسية مجرد حفل، بل كانت لقاءً بين زمنين… بين يدٍ عزفت البدايات، ويدٍ تعيد اليوم إشعال الذاكرة. كانت دمشق في تلك اللحظة لا تعزف إسبانيا فقط، بل تعزف نفسها، تعزف قدرتها على الاستمرار، على الحلم، على أن تقول للعالم:
“نحن هنا… والموسيقا ما زالت تنبت في حدائقنا.”