الحرية – جهاد اصطيف:
شهدت حلب اليوم حدثاً اقتصادياً تمثل في توقيع أربع مذكرات تفاهم لتطوير وإنشاء مناطق صناعية جديدة في المحافظة، برعاية وزارة الاقتصاد والصناعة، وبالتعاون مع محافظة حلب وهيئة الاستثمار السورية، وبحضور رسمي واقتصادي ودبلوماسي واسع، ويأتي ذلك في إطار مسار وطني يستهدف تعزيز البيئة الاستثمارية، وتفعيل الشراكات الاقتصادية، ودعم جهود التعافي الصناعي في المدينة التي شكلت عبر تاريخها مركزاً صناعياً وتجارياً رائداً في سوريا والمنطقة.
أفلام تعريفية بالمناطق
جرى توقيع المذكرات بحضور وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار، ومحافظ حلب المهندس عزام الغريب، والسفير التركي في سوريا نوح يلماز، ومفتي حلب الدكتور إبراهيم شاشو، إلى جانب عدد من الفعاليات الاقتصادية والمستثمرين والدبلوماسيين.
وعرض المنظمون أربعة أفلام تعريفية عن المدن والمناطق المراد استثمارها، تضمنت نبذة تفصيلية عن كل مشروع على حدة، وأهدافه وخطط تنفيذه، في خطوة هدفت إلى تقديم صورة شاملة عن الرؤية الاستثمارية المطروحة.
مشاريع استراتيجية لإعادة بناء القاعدة الصناعية
تشمل مذكرات التفاهم الموقعة، تطوير مناطق صناعية متكاملة في الشيخ نجار، وإنشاء مدينة صناعية متخصصة لصناعة الأثاث في جبرين، وإقامة حدائق للإنتاج الصناعي في بلدة كمونة، وتمثل هذه المشاريع، بحسب القائمين عليها، خطوات تنفيذية واضحة لتحديث البنية التحتية الصناعية في المحافظة، وفق معايير حديثة في إدارة المناطق الصناعية، بما يسهم في جذب الاستثمارات النوعية، وتعزيز القدرة الإنتاجية، وخلق فرص عمل جديدة، وإعادة حلب إلى موقعها الصناعي الريادي.
الشعار : الصناعة أساس القيمة المضافة ومحرك التنمية
وفي كلمته، أكد الوزير نضال الشعار أن ما جرى اليوم كان من المفترض أن يتحقق في وقت سابق، إلا أنه لم يتم، وأوضح أن الحديث عن حركة الأسواق غالباً ما يرتبط بعمليات استهلاكية ريعية، بينما التنمية الاقتصادية الحقيقية ترتكز على الصناعة وخلق القيمة المضافة.
وقال الوزير الشعار إن الخطوة الأولى في توليد القيمة المضافة في سوريا بدأت اليوم من حلب، باعتبارها المحرك الأساسي للتنمية الاقتصادية، مشدداً على أن التجارة مهمة، لكن الصناعة أكثر أهمية، ولا يوجد مكان أولى من حلب لبدء هذه الحركة.
وأشار الشعار إلى أن الوضع الصناعي في حلب مؤلم للغاية نتيجة تدمير عدد كبير من المصانع خلال السنوات الماضية، ورغم بدء عمليات الترميم، إلا أن التوجه الحالي يقوم على البدء من جديد في بعض القطاعات والمواقع، عبر مشاريع بنى تحتية متكاملة تشكل الأساس لمرحلة صناعية متطورة.
وأكد أن جميع المشاريع المطروحة تندرج ضمن إطار البنية التحتية، معرباً عن توقعه بأن تبدأ آثار القيمة المضافة بالظهور في الأسواق فور اكتمال هذه المشاريع، بما يطلق عملية تنمية اقتصادية تدريجية ومستدامة.

انطلاقة جديدة في العلاقات الاقتصادية مع تركيا
وتطرق الوزير الشعار إلى العلاقات مع تركيا، معتبراً أن المرحلة الحالية تمثل بداية مشوار جديد في التعاون الاقتصادي بين البلدين، مبني على الإخلاص والمحبة والوفاء، بوصفها عناصر أساسية لنجاح أي اتفاق تجاري.
وأشار إلى تشكيل أول لجنة اقتصادية سورية–تركية مشتركة (SEC)، من المقرر أن تعقد اجتماعها الأول في أنقرة الشهر المقبل، بهدف بحث وتطوير العلاقات الاقتصادية والاجتماعية في مختلف المجالات.
كما تم تشكيل مجلس أعمال سوري–تركي، ولفت الشعار خلال كلمته إلى أن الطريق لن يكون سهلاً، وستعترضه تحديات وعثرات، إلا أن إرادة الصناعي السوري، وتضامن نظيره التركي، والعلاقات التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين البلدين، ستشكل عوامل داعمة لإنجاح هذه المشاريع.
السفير التركي : حلب مركز تاريخي وبوابة آفاق جديدة
من جانبه، أعرب السفير التركي نوح يلماز عن سعادته بوجوده في حلب مع بداية عمله الدبلوماسي في دمشق، مهنئاً الحضور بحلول شهر رمضان المبارك.
وأكد أن حلب تعد مركزاً تجارياً وصناعياً مهماً، وأن توقيع الاتفاقيات يعكس عمق الأخوة والصداقة بين سوريا وتركيا.
وأشار إلى شهرة حلب التاريخية في صناعة الحرير، معتبراً أن مذكرات التفاهم الموقعة تبعث الأمل في أن عجلة التنمية السورية بدأت تخطو خطواتها الحقيقية بعد التحرير، عقب سنوات وصفها بالعصيبة والمريرة.
وكشف أن عام 2026 سيشكل بداية فتح آفاق جديدة في الاستثمار والاقتصاد السوري، لافتاً إلى أن التبادل التجاري بين البلدين شهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال عام 2025 بنسبة تقارب 70%، خاصة بين المدن السورية وكل من غازي عنتاب وإسطنبول، مشيراً إلى أن المجلس السوري–التركي سيعقد أول اجتماعاته في شهر نيسان المقبل.
وأكد أن توقيع المذكرات يشكل ضمانة للاستقرار الاقتصادي في سوريا، وأن المدن الصناعية المزمع إنشاؤها ستعتمد تقنيات حديثة، ما يمثل قفزة نوعية في مسار الصناعة والاقتصاد الوطني.
محافظ حلب : استعادة زمام المبادرة بعد سنوات التراجع
بدوره، أوضح محافظ حلب عزام الغريب أن عودة المصانع إلى العمل تعني استعادة المدينة زمام المبادرة، وأن مرحلة الانتظار قد انتهت وبدأت مرحلة الفعل الحقيقي.
وأشار إلى أن حلب وسوريا مرتا بأربعة عشر عاماً من التراجع الصناعي الحاد نتيجة سياسات النظام السابق، التي أدت إلى تدمير البنية التحتية واستهداف المدن الصناعية وإضعاف شبكات الطاقة والمياه والنقل، ما تسبب في توقف المعامل وتضرر المنشآت وتراجع الإنتاج والصادرات.
وأكد أن حلب لم تنكسر، وأن صناعييها تمسكوا بالأمل حتى بدأت مرحلة جديدة عنوانها التعافي وإعادة البناء على أسس أكثر قوة وتنظيماً.
وختم بالتأكيد على أن الموقع الاستراتيجي لحلب وخبرتها الصناعية العريقة يؤهلانها لتكون مركزاً صناعياً ولوجستياً محورياً، وأن المشاريع الموقعة تمثل استثماراً في الاستقرار والنمو ومستقبل الأجيال القادمة، وتجسيداً حقيقياً للشراكة بين القطاعين العام والخاص في إعادة بناء الاقتصاد الوطني.