الحرية -سناء عبد الرحمن:
يترقّب الناس مع حلول شهر شباط ما يعرف شعبياً بـ«سقوط الجمرة الأولى»، وهي علامة متوارثة تشير إلى بداية انكسار حدّة البرد القارس وبداية تسلّل الدفء تدريجياً إلى الأجواء، في مرحلة انتقالية تفصل الشتاء عن الربيع. هذا الموروث الشعبي، الذي لا يزال حاضراً في الذاكرة الجمعية، يجد اليوم تفسيراً علمياً دقيقاً في علم المناخ.
ثلاث جمرات وبداية الدفء
يوضح أستاذ جغرافيا المناخ في قسم الجغرافيا بجامعة اللاذقية الدكتور رياض قره فلاح لـ”الحرية”، أن سقوط الجمرات الثلاث يُعد مؤشراً تقليدياً معروفاً لبداية انتشار الدفء بعد شهري كانون الثاني وشباط. وتعرف الجمرة الأولى بـ«الجمرة الصغرى» وتسقط في 20 شباط، تليها الجمرة الثانية في 27 شباط، ثم الجمرة الثالثة، أو «الجمرة الكبرى»، في 6 آذار.
ويشير د.قرة فلاح إلى أن هذه الجمرات تعبر عن مراحل متتالية من الدفء؛ فالجمرة الأولى تسمّى جمرة الهواء، حيث يبدأ الناس بالإحساس بدفء الهواء، والثانية جمرة الماء، مع ملاحظة ارتفاع حرارة المياه، أما الثالثة فهي جمرة الأرض، حيث تشعر الأرض بدفئها وتزداد حرارة التربة وتأثير أشعة الشمس.
التفسير العلمي للظاهرة
من الناحية العلمية، يبين قره فلاح أن يوم 20 شباط يشهد تعادلاً تقريباً بين ما تكسبه الأرض من الإشعاع الشمسي وما تفقده من الإشعاع الأرضي، موضحاً أنه بعد هذا التاريخ تبدأ الأرض باكتساب طاقة حرارية أكبر مما تفقده، ما يؤدي إلى بدء الارتفاع التدريجي في درجات الحرارة. ولهذا السبب اعتبر هذا اليوم موعداً تقريبياً لسقوط الجمرة الأولى.
ويؤكد أن الدفء لا يعود إلى وصول حرارة أو «جمرات» من الشمس إلى الأرض، كما فسرت بعض المعتقدات القديمة، بل إلى تغيّر ميزان الطاقة الحرارية المكتسبة من الإشعاع الشمسي.
جذور تاريخية وموروث شعبي
وتعود قصة سقوط الجمرات، بحسب قره فلاح، إلى ما أورده القزويني في كتابه «عجائب الخلق»، حيث ارتبط المصطلح بأسلوب حياة الناس قديماً وانتقالهم التدريجي من الاحتماء بالنار داخل المساكن إلى الخروج نحو الصحراء مع تراجع شدة البرد. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا السلوك إلى دلالة رمزية على مراحل الدفء في الربيع.
وعلى هذا الأساس، أصبح سقوط الجمرة الأولى كناية عن بداية انتهاء برد الشتاء القارس، في حين تعبّر الجمرة الثانية عن بدء الشعور بدفء الربيع، وتدل الجمرة الثالثة على الإحساس بحرارة الشمس بشكل أوضح.
مؤشرات طبيعية ترافق الجمرة الأولى
يرتبط سقوط الجمرة الأولى بظهور مؤشرات طبيعية واضحة، من أبرزها بداية دورة حياة دودة «أبو قطيف» أو دودة الربيع، التي يدل خروجها على ارتفاع درجات الحرارة، وتستمر حتى نهاية فصل الصيف. كما يزداد التبخر من الأراضي الزراعية المحروثة والرطبة خلال النصف الثاني من شباط والنصف الأول من آذار، حيث يُلاحظ تصاعد البخار على شكل أعمدة تشبه الدخان بعد هطول أمطار غزيرة، وهو ما اعتبره القدماء دليلاً مؤكداً على ارتفاع حرارة الأرض وتراجع البرد.
ظاهرة مستمرة الحضور
ويختم قره فلاح بتأكيد أن سقوط الجمرات ظاهرة صحيحة من الناحية العلمية، وتحدث في هذه المواعيد تقريباً مع احتمال التقدّم أو التأخر أياماً قليلة، مشيراً إلى أن استمرار الإيمان بها حتى اليوم يعكس العلاقة العميقة بين الإنسان والطبيعة، ومراقبته الدقيقة لتغيراتها المناخية عبر الزمن.