الحرية- رشا عيسى:
بدأَت الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الأردن مؤخراً على الواردات السورية تثيرُ جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية، في ظل تداعياتها المباشرة على حركة التبادل التجاري بين البلدين، وانعكاساتها التي لا تقتصر على جانب الحماية، بل تمتد إلى عمق البنية الاقتصادية والتجارية في ظل بيئة إقليمية واقتصادية مضطربة.
تشويه هيكل التبادل التجاري
يوضح الباحث السياسي والاقتصادي الدكتور ماهر التمران لـ”الحرية” أن فرض رسوم جمركية مرتفعة على المنتجات السورية يندرج ضمن أدوات السياسة التجارية الحمائية، التي تهدف أساساً إلى حماية الصناعات المحلية من المنافسة الخارجية، إلا أن هذه السياسة، بحسب تحليله، تؤدي إلى تشويه الأسعار النسبية للسلع داخل السوق الأردنية، ما ينعكس سلباً على الميزة النسبية للمنتجات السورية، ويؤدي في النهاية إلى انخفاض حجم الكميات المتبادلة نتيجة ارتفاع الأسعار النهائية.
ويشير إلى أن هذه النتائج تقود إلى ما يُعرف اقتصادياً بـ”خسارة الرفاه”، حيث يتضرر كل من المنتج والمستهلك، دون تحقيق كفاءة اقتصادية شاملة.
صدمة إضافية
يربط التمران القرار بالوضع الاقتصادي السوري، الذي يعاني من اختلالات هيكلية واضحة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الإنتاجية، ومحدودية الوصول إلى الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، تشكّل الرسوم الجمركية المرتفعة صدمة خارجية سلبية جديدة، تضيق من قنوات تصريف الفائض الإنتاجي، وتحدّ من تدفق العملات الأجنبية الناتجة عن التصدير.

ويرى أن التأثير لا يقتصر على الجانب التجاري، بل يمتد إلى إبطاء وتيرة التعافي الاقتصادي، وتعميق فجوة الميزان التجاري.
جزء من التكلفة
على الجانب الآخر، يلفت الدكتور التمران إلى أن المستهلك الأردني لا يبقى بمنأى عن هذه الإجراءات، إذ ينتقل جزء من عبء الرسوم إليه بشكل مباشر، ما يؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار وتراجع فائض المستهلك.
ويحذر من أنه في حال ضعف المنافسة داخل السوق المحلية، قد تتجه بعض القطاعات نحو سلوك احتكاري أو شبه احتكاري، الأمر الذي يقلل الحافز لتحسين الجودة أو خفض التكاليف.
مفارقة الحماية
يضع التمران هذه السياسة ضمن مفارقة اقتصادية كلاسيكية؛ فمن جهة، تحقق الرسوم الجمركية حماية قصيرة الأجل للصناعة المحلية وتعزز الإنتاج الداخلي، لكنها من جهة أخرى تؤدي على المدى الطويل إلى انخفاض الكفاءة الاقتصادية وتراجع القدرة التنافسية، وربما نشوء صناعات تعتمد على الحماية بدل التطور الذاتي.
عدم التكافؤ الاقتصادي
ومن زاوية العدالة الاقتصادية، يؤكد الباحث التمران أن للأردن الحق السيادي في حماية سوقه، إلا أن القرار، من منظور التجارة العادلة، لا يأخذ بعين الاعتبار الفوارق الكبيرة في ظروف الإنتاج بين البلدين، ما يخلق علاقة تجارية غير متوازنة، ويجعله إجراءً مشروعاً قانونياً لكنه غير متكافئ اقتصادياً.
بدائل أقل تكلفة
ويقترح التمران مجموعة من البدائل التي يمكن أن تحقق أهداف الحماية دون إحداث تشوهات كبيرة في السوق، مثل اعتماد حصص الاستيراد لضبط الكميات، أو تقديم دعم مباشر للإنتاج المحلي بدلاً من معاقبة المستورد، إضافة إلى إبرام اتفاقيات تجارة تفضيلية تدريجية، وفرض معايير فنية وجودة ترفع مستوى السوق دون إغلاقه.
تكامل اقتصادي بدل التنافس
وفي رؤيته المستقبلية، يدعو الدكتور التمران إلى إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية بين سوريا والأردن على أساس التكامل لا التنافس، من خلال بناء سلاسل قيمة مشتركة، وتوزيع الأدوار الإنتاجية وفق الميزة النسبية، وتسهيل حركة الترانزيت والتجارة البينية، محذراً من أن البديل هو استمرار اقتصادين متجاورين يعملان بشكل متضاد بدل التكامل.
استراتيجيات التكيّف
وفي ظل هذه التحديات، يشدد التمران على ضرورة تبني الصناعيين السوريين استراتيجيات تكيف فعالة، من بينها تنويع الأسواق لتقليل الاعتماد على سوق واحدة، ورفع الكفاءة الإنتاجية، والتوجه نحو منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، إلى جانب العمل على الضغط باتجاه اتفاقيات تخفيف أو استثناءات قطاعية.
حماية آنية
يؤكد الدكتور التمران أن الرسوم الجمركية المرتفعة، رغم قدرتها على توفير حماية مؤقتة، إلا أنها تشكل خسارة في الرفاه الاقتصادي، وتقلص حجم التبادل التجاري، وتترك آثاراً سلبية متفاوتة على الطرفين. ويرى أن الحل الأكثر استدامة يكمن في الانتقال من منطق الحماية الصلبة إلى إدارة ذكية للتجارة، تقوم على التوازن والتدرج والتكامل الاقتصادي.
وكانت غرفة تجارة دمشق، أصدرت بيانًا توضيحياً علّقت فيه على القرار الأردني رقم “34” لعام 2026 الذي سمح بدخول منتجات سورية كانت محظورة سابقًا، مقابل فرض رسوم حماية على سلع محددة.
وأكدت الغرفة أن الرسوم المفروضة “مرتفعة جدًا”، ما يحد بشكل واضح من القدرة التنافسية للصادرات السورية.
وجاء البيان رداً على القرار الذي أقرّته وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية، والذي ألغى قيوداً سابقة على استيراد سلع سورية كانت سارية منذ أعوام 2019 و2020 و2021 و2025، مقابل فرض رسوم حماية جمركية على قائمة محددة من المستوردات، تستهدف قطاعي الصناعات الغذائية والمنسوجات بشكل خاص.