ختم أسطواني يكتب سيرة السلطة والطقس في أوغاريت

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – باسمة اسماعيل:

ليست كل الحكايات بحاجة إلى نصوص طويلة. في أوغاريت تكفي قطعة حجر بحجم الإصبع، لتفتح بوابة مدينة كاملة على مصراعيها.
ختم أسطواني صغير، صامت في مادته، لكنه مكتظ بالمعاني، يختصر علاقة الملك بالمدينة، والإنسان بالكون، والسلطة بالرمز، ليغدو قراءة مكثفة لتاريخ نحت لا ليروى فقط، بل ليبقى.
دلالات سياسية وطقسية ورمزية
أوضح مدير موقع أوغاريت الأثري في اللاذقية والباحث في التراث الدكتور غسان القيم، في حديثه لصحيفتنا “الحرية”، أن الختم الأسطواني المعروف بالرقم RS 4021 مصنوع من حجر الستياتيت القاسي، ذلك الحجر الذي اختارته أوغاريت ليحفظ الذاكرة أطول مما تفعل الكلمات.
وأضاف: “على الرغم من أن ارتفاعه لا يتجاوز 2.2 سم، فإنه يحمل عالماً متكاملاً من الدلالات السياسية والطقسية والرمزية، مبيناً أن الختم مكتشف في مينة البيضا، الميناء الرئيسي لمملكة أوغاريت، خلال أعمال التنقيب في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو محفوظ اليوم في متحف اللوفر تحت الرقم (AO 15772).
وأكد الدكتور القيم أن الختم أوغاريتي الأسلوب من نتاج بيئة الساحل السوري، وأن المشهد المنقوش عليه يتطابق كلياً مع الأيقونية الأوغاريتية السائدة في أواخر العصر البرونزي الحديث، ما بين القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، يظهر على سطح الختم، المحفور بدقة لافتة، مشهد صيد الأسود: أسد في لحظة مواجهة، وعربة ذات عجلتين يجرها حصان، يقف فيها الصياد بثبات يوحي بالهيبة والسيطرة.

طقس ملكي

وأشار إلى أن هذا المشهد لا يمثل صيداً عادياً، بل طقس ملكي بامتياز، إذ إن صيد الأسد في الشرق الأدنى القديم كان فعلاً رمزياً يجسد انتصار النظام على الفوضى، والحياة على قوى الدمار، ما يرجح أن يكون القائم به ملك أوغاريت نفسه أو من ينوب عنه بوصفه الحارس الأعلى لتوازن الكون، وتعكس العربة تقدماً تقنياً ومكانة اجتماعية رفيعة، بينما يرمز الحصان، الذي دخل ساحل المتوسط في الألف الثاني قبل الميلاد بوصفه عنصراً ثميناً ونادراً، إلى القوة والهيبة والانفتاح على العالم الأوسع.

فكرة سياسية وكونية

ولفت إلى أن اكتشاف الختم في مينة البيضا، فلا يقرأ بوصفه مصادفة، فالميناء كان مركزاً حيوياً للتجارة والدبلوماسية وتبادل الرسائل، حيث أدت الأختام دورها كأدوات سلطة وهوية، تطبع على الطين الرطب لتترك أثر الملك لا كشخص، بل كفكرة سياسية وكونية في آن واحد.
قطعة تتحول لسرد كامل عن مدينة
وختم الدكتور قائلاً: إن الختم الأسطواني RS 4021 ليس مجرد أثر فني صغير أو قطعة أثرية عادية، بل وثيقة صامتة تختصر رؤية أوغاريت لملكها: محارباً حين يلزم، وكاهناً في الطقس، وضامناً للنظام الكوني.
قطعة متناهية الصغر، لكنها حين تقرأ بعيون التاريخ، تتحول إلى سرد كامل عن مدينة عرفت كيف تُحمِّل الحجر ذاكرتها، وتسلمها بثقة إلى الزمن.

Leave a Comment
آخر الأخبار