دمشق تفتح نوافذها غرباً وتبحث عن ترجمة اقتصادية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- رشا عيسى:

فتحَت دمشق نوافذها غرباً على إيقاع تحوّلات ما بعد كانون الأول 2024، في محاولة لإعادة تموضع سياسي واقتصادي بعد سنوات من العزلة والعقوبات. غير أن هذا الانفتاح، وإن بدا سريعاً على المستوى الدبلوماسي، لا يزال يتقدّم بخطا حذرة على الأرض، حيث تختبر العلاقة مع أوروبا حدود الممكن بين الدعم المشروط والحاجة السورية للتعافي.

ويكشف خبير العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، الدكتور هشام الخياط، عن مشهد جديد، وانتقال معلن من القطيعة إلى الشراكة، لكن ضمن حسابات دقيقة.

الصفحة الجديدة

يشير الدكتور الخياط في حديث لـ”الحرية” إلى أن ما يجري يمثل تحولاً جذرياً في العلاقة بين سوريا وأوروبا، بعد أكثر من 13 عاماً من العقوبات الشاملة التي طالت قطاعات حيوية كالمصارف والطاقة والنقل.

ويضيف أن الخطاب الأوروبي نفسه انتقل من لغة العزل إلى الحديث عن “صفحة جديدة”، في ظل دعم واضح لمسار الانتقال السياسي، ما أعاد فتح قنوات كانت مغلقة بالكامل، ولو بشكل تدريجي وحذر.

محطات مفصلية

شهدت العلاقة السورية–الأوروبية خلال العامين الماضيين سلسلة من الخطوات المفصلية التي أعادت رسم ملامح التعاون.

في شباط 2025 كانت بداية تخفيف العقوبات عبر تعليق جزئي طال قطاعات الطاقة والنقل، وإزالة بعض الكيانات من قوائم التجميد.

في آذار 2025 شاركت سوريا لأول مرة في مؤتمر بروكسل للمانحين، مع تعهد أوروبي بقيمة 2.5 مليار يورو لعامي 2025–2026.

في أيار 2025 سجل قرار رفع معظم العقوبات الاقتصادية، في خطوة وُصفت بالتاريخية، مع الإبقاء على قيود مرتبطة بالأمن وأفراد من النظام السابق.

وفي أيار أيضاً 2025 كانت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى باريس ولقاؤه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في إشارة إلى عودة التواصل السياسي رفيع المستوى.

وفي كانون الثاني 2026 زارت قيادات أوروبية دمشق، وتم الإعلان عن حزمة دعم جديدة بقيمة 620 مليون يورو للفترة 2026–2027.

وفي آذار 2026 تسجل جولة أوروبية للرئيس الشرع تشمل برلين ولندن، في أول زيارة رسمية من نوعها، مع تركيز على الاقتصاد وملف اللاجئين.

هذه المحطات، بحسب الدكتور الخياط، تعكس انتقالاً تدريجياً من سياسة العزل إلى مقاربة الشراكة المشروطة.

بين الاقتصاد والسياسة

اقتصادياً، أسهم رفع العقوبات في إعادة فتح قنوات مصرفية جزئية، ما أتاح تحريك عجلة محدودة من الاستثمارات، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية. كما قدّم الاتحاد الأوروبي مساعدات إنسانية وبرامج دعم للتعافي المبكر بمئات ملايين اليورو، استهدفت الكهرباء والنقل والزراعة.

إلا أن الدكتور الخياط يلفت إلى أن الأثر الفعلي لهذه الخطوات لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الاحتياجات، في ظل استمرار تحديات داخلية، أبرزها ضعف الشفافية والهواجس الأمنية.

سياسياً، منح الانفتاح الأوروبي زخماً للحكومة الانتقالية، وساهم في تعزيز شرعيتها دولياً، إلى جانب فتح قنوات حوار حول ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب والتهريب، وضمان عودة آمنة للاجئين، واحترام التعددية المجتمعية.

حذر استثماري

ورغم الزخم الدبلوماسي، يرى الدكتور هشام الخياط أن النتائج الاقتصادية لا تزال دون التوقعات، مشيراً إلى أن الاستثمارات الأوروبية “جبانة” حتى الآن، وتنتظر إشارات أوضح على الاستقرار.

ويشرح أن أوروبا، وإن كانت شريكاً قوياً تقنياً ومؤسساتياً، لا تمتلك الزخم المالي نفسه الذي تملكه دول الخليج، ما يجعل دورها أقرب إلى شريك استراتيجي طويل الأمد، لا ممولاً سريعاً لإعادة الإعمار.

كيف يمكن تفعيل الانفتاح؟

يطرح الدكتورالخياط مجموعة من المقترحات العملية لتعظيم الاستفادة من الانفتاح الأوروبي:

شراكات قطاعية ذكية والتركيز على التعاون مع شركات أوروبية في مجالات الطاقة والبنية التحتية والزراعة، مع تطوير مشاريع مشتركة تعيد تأهيل الموانئ وشبكات الكهرباء.

شراكات ثلاثية

بناء نموذج تعاون يجمع سوريا وأوروبا ودول الخليج، بحيث يتكامل التمويل الخليجي مع الخبرة التقنية الأوروبية.

إصلاحات داخلية من خلال تعزيز الشفافية المصرفية، وتحديث القوانين الاستثمارية، ومكافحة الفساد، كشرط أساسي لطمأنة المستثمرين الأوروبيين.

ملف اللاجئين عن طريق تطوير برامج عودة آمنة ومستدامة، مدعومة أوروبياً، ترتبط بإعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير فرص العمل.

موقع سوريا الإقليمي باستثمار الموقع الجغرافي كسوق عبور بين أوروبا والشرق، مع تعزيز التعاون في ملفات الأمن ومكافحة التهريب.

فرصة مشروطة بالإصلاح

يعتبر الدكتور الخياط أن الانفتاح على أوروبا يشكّل فرصة تاريخية لسوريا، لكنه ليس ضمانة بحد ذاته. فنجاح هذه العلاقة يبقى رهناً بقدرة الداخل السوري على تنفيذ إصلاحات حقيقية، تواكب الدعم الخارجي وتحوله إلى نمو اقتصادي ملموس.

ويختصر المشهد بالقول إن أوروبا ليست بديلاً مالياً عن شركاء آخرين، بل شريك تقني وسياسي يمكن أن يساهم في بناء نموذج تنموي مستدام إذا ما توفرت الإرادة والإدارة.

Leave a Comment
آخر الأخبار