دمشق من أروقة واشنطن.. هل ترسم «دبلوماسية الإعمار» ملامح الشرق الأوسط الجديد؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – أمين سليم الدريوسي:

في اللحظة التي كانت فيها قاعات صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن تضجُّ بالنقاشات حول ديون الدول النامية واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، كان هناك حراك من نوع آخر يجري في الأروقة الخلفية لاجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في 17-20 الجاري، حيث لم يعد الملف السوري يُطرح في هذه الاجتماعات كقضية «إغاثة إنسانية» طارئة فحسب، بل كملف استراتيجي مدرج تحت بند «التعافي الهيكلي»، هذا التحول الجذري في المقاربة الدولية يشي بأن العالم بدأ يتبنى «واقعية اقتصادية» تتجاوز حالة الانسداد السياسي التي دامت لأكثر من عقد.

حين تتحدث الأرقام

لا يمكن فهم أبعاد ما جرى في واشنطن دون الوقوف عند الرقم الذي كُشف عنه، وهو مليار دولار أمريكي، هذا ليس مجرد رقم للمساعدة، بل هو «محفظة استثمارية إنمائية» اعتمدها البنك الدولي لتنفيذ 10 مشاريع استراتيجية في سوريا على مدار ثلاث سنوات.

الدلالة السياسية لهذا الرقم تفوق قيمته المادية، فالبنك الدولي، الذراع المالية للنظام الدولي بمرجعية أمريكية وأوروبية قوية، لا يضخ مبالغ بهذا الحجم إلا ضمن «خطة التزام Commitment Plan» تعني ضمناً الاعتراف باستقرار مؤسسات الدولة وقدرتها على التنفيذ، وقد جاءت المنحة الفورية التي أُقرت في آذار الماضي بقيمة 20 مليون دولار لتكون «مجس نبض» لاختبار كفاءة الإدارة المالية السورية، وهي الخطوة التي يبدو أنها اجتازت الفحص التقني الدولي بنجاح، ممهدة الطريق للمليار الأكبر.

الصندوق الائتماني وهندسة «المنطقة الرمادية»

يبرز مقترح «الصندوق الائتماني متعدد المانحين» (MDTF) تحت مظلة البنك الدولي كأهم ابتكار في «الاقتصاد السياسي» الحالي، فمن الناحية السياسية، وإن كانت هناك عواصم كبرى لا تزال تتحفظ على التمويل المباشر للحكومة السورية، لكنها في الوقت ذاته ترى في استقرار البنية التحتية السورية فرصة لتعزيز الأمن الإقليمي وإعادة إحياء ممرات التجارة والطاقة في شرق المتوسط.

هنا يأتي دور الصندوق الائتماني، الذي سيُدار تحت مظلة البنك الدولي، ليعمل كـ«منطقة محايدة»، حيث يمكن للمانحين وضع أموالهم في وعاء دولي يضمن توجيهها لمشاريع خدمية صرفة، بعيداً عن التجاذبات السياسية، هذا النموذج لا يكسر الجمود فحسب، بل يوفر غطاءً قانونياً للشركات الدولية للعودة والعمل في السوق السورية تحت «الحماية الفنية» للمؤسسات الدولية، ما يقلل من مخاطر الوقوع تحت طائلة العقوبات الأحادية.

«براغماتية الخزانة».. اللقاء الذي لم يكن متوقعاً

لعلَّ الحدث الأكثر إثارة للدهشة كان في كواليس اجتماعات واشنطن، وما تسرب عن لقاءات فنية جمعت الوفد السوري بمسؤولين من وزارة الخزانة الأمريكية، ففي العرف الاقتصادي السياسي، تُعد وزارة الخزانة هي «الجهة المصممة» لهندسة العقوبات الدولية، لذا، فإن جلوس خبرائها مع الفريق السوري لمناقشة «الإصلاح الضريبي وإدارة الدين العام» و«الشفافية المالية»، يمثل انتقالاً من مرحلة «العزل الاقتصادي» إلى مرحلة «الترشيد التقني».

وهذا التحول يعكس قناعة دولية متزايدة بأن دمج سوريا في النظام المالي العالمي، ولو بشكل تدريجي ومراقب، هو السبيل الوحيد لضمان استقرار «الممرات الاقتصادية» في شرق المتوسط، فالعالم الذي يعاني من أزمات طاقة حادة واضطرابات في الملاحة (كما نرى في مضيق هرمز)، لم يعد يملك رفاهية ترك «ثقب أسود» اقتصادي في قلب المنطقة.

السيادة التقنية وافتتاح مكتب دمشق

وبالانتقال إلى افتتاح مكتب دائم للبنك الدولي في دمشق فإن الترحيب الدولي بهذا الأمر يضع النقاط على الحروف فيما يخص مستقبل العلاقة.. فهذا المكتب لن يكون مجرد مقر إداري، بل سيكون «غرفة عمليات» لمراقبة تنفيذ مشاريع التعافي المبكر، وفي لقاءات حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية مع إدارة الأصول في البنك الدولي، برز حديث عن تطوير إدارة «الاحتياطيات والذهب»، ما يوحي بأن هناك رؤية دولية لمساعدة سوريا على إعادة بناء سيادتها النقدية وفق المعايير العالمية، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى استقرار سعر الصرف وتقليل التضخم الذي أرهق المواطن لسنوات.

كسر العزلة الإقليمية.. محور  «دمشق- عمان- الرياض»

لا ينفصل حراك واشنطن عن التحولات الإقليمية المتسارعة، حيث شهدت العلاقات السورية – الأردنية طفرة نوعية تجسدت في قفزة ملحوظة للتبادل التجاري، والذي تجاوز حاجز الـ 300 مليون دولار خلال عام 2025، ما يعكس إرادة سياسية مشتركة لتعزيز التكامل الاقتصادي، وفي هذا السياق، تُعد النقاشات التي جرت في واشنطن حول تطوير مطار حلب الدولي بدعم سعودي، وتفعيل «ممر الشرق الأوسط» الذي يربط سوريا بالأردن وتركيا، دليلاً قاطعاً على أن الجغرافيا السياسية بدأت تفرض منطقها على الواقع.

هكذا، تعيد سوريا اليوم صياغة دورها الاستراتيجي كـ«عقدة ربط» حيوية، مستفيدة من احتياجات القوى الإقليمية إلى أسواق مستقرة ومسارات تجارية بديلة، لتتحول من محور أزمة إلى جسر للاستقرار.

الاقتصاد بوصفه «قاطرةً للسياسة»

إن ما كشفته اجتماعات الأيام الثلاثة الماضية في واشنطن هو انتصار لـ«منطق الدولة» و«حاجة السوق» على حساب «الاستقطاب الأيديولوجي»، سوريا اليوم تعيد صياغة دورها الإقليمي ليس عبر البوابة العسكرية، بل عبر بوابة «إعادة الإعمار والاستقرار المالي».

أما عن الرسالة الموجهة من واشنطن فهي واضحة: إذا نجحت دمشق في تحويل «محفظة المليار» إلى إنجازات ملموسة في قطاعات الكهرباء والزراعة والتعليم، مع الحفاظ على معايير الشفافية الدولية، فإننا سنشهد تآكلاً تلقائياً لمفاعيل العقوبات، لتصبح السياسة في نهاية المطاف تابعةً للاقتصاد، وليس العكس. إنها «الواقعية السورية» التي تفرض نفسها اليوم في قلب العاصمة الأمريكية.

Leave a Comment
آخر الأخبار