آثاره الاقتصادية والاجتماعية خطيرة.. الحد من اقتصاد الظل يتطلب عودة الثقة بين المواطن والحكومة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – سناء عبد الرحمن:

اقتصاد الظل يعد ظاهرة بارزة في الدول التي تواجه أزمات ممتدة، حيث يظهر كبديل غير رسمي لتلبية احتياجات الأفراد في ظل ضعف المؤسسات.
في سوريا، ومع اندلاع الحرب عام 2011 والعقوبات الدولية وتراجع الإنتاج، توسعت الأنشطة غير الرسمية لتشكّل اقتصاداً موازياً خارج الإطار القانوني، ورغم مساهمته في توفير السلع والخدمات الأساسية، فإنه خلّف آثاراً سلبية على الناتج المحلي الإجمالي، الاستقرار النقدي، والسياسات المالية، وجهود إعادة الإعمار، ما يجعل دراسته ضرورية لفهم انعكاساته على التنمية والإصلاح.

اتساع غير مسبوق

في حديثه لـ”الحرية”، أوضح الدكتور وجد رفيق الصائغ، المدرّس في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في اللاذقية، أن سوريا ومثلها مثل أغلب دول العالم تعاني من ظاهرة اقتصاد الظل، لكنها تمتلك اليوم واحداً من أكبر اقتصادات الظل عالمياً، بعدما تحوّل من نشاط هامشي إلى بنية اقتصادية كاملة تنافس الاقتصاد الرسمي.
وبيّن أن التقديرات قبل عام 2011 كانت تشير إلى أن اقتصاد الظل يمثل بين 40% و60% من حجم الاقتصاد الكلي.

تعريف متشعب

وأوضح الصائغ أن غياب تعريف موحد لاقتصاد الظل يعود إلى تشابك أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، إلا أنه يعرّفه بأنه “مجموع الأنشطة غير المدرجة في الحسابات الرسمية”، سواء بسبب تهرب أصحابها من الالتزامات القانونية كالضرائب والضمان الاجتماعي، أو بسبب كونها أنشطة محظورة تجري خارج الأطر الشرعية مثل التهريب والإتجار بالمواد المدعومة.

عوامل داخلية وخارجية

إن أسباب انتشار اقتصاد الظل على مستوى دول العالم ترتبط حسب الصائغ، بارتفاع الضرائب والرسوم، والبيروقراطية، وفشل الاقتصاد الرسمي في خلق فرص عمل كافية.
إلا أن الحالة السورية أكثر تعقيداً نتيجة الحرب الممتدة والعقوبات الخارجية وانهيار مؤسسات الإنتاج، لافتاً إلى أن توقف المصانع، وتراجع التجارة، وانقطاع سلاسل التوريد، وفقدان الليرة جزءاً كبيراً من قيمتها، كلها عوامل دفعت إلى نشوء قنوات موازية لتأمين الغذاء والدواء والوقود خارج الإطار الرسمي.

أسباب متشابكة

وعدّد الصائغ أسباب تفشي ظاهرة اقتصاد الظل في سوريا، والتي منها الحرب وما رافقها من انهيار مؤسساتي، والعقوبات التي سببت ندرة في السلع، والتدخل الحكومي في التسعير، والضرائب المرتفعة التي كانت الحكومات السابقة تنتهجها خاصة في آخر خمس سنوات، واعتماد التهريب كقناة أساسية للاستيراد، إضافة إلى الفقر والبطالة وانهيار الطبقة المتوسطة.
واعتبر أن العامل الأكثر تأثيراً هو انهيار الثقة بين المواطن والحكومات السابقة، فقبل 2011 يمكن القول بوجود “فجوة ثقة” بين المواطن والمؤسسات، دفعت نحو التهرب والبحث عن بدائل، لكن بعد 2011 وما تلاها من حرب وانهيار اجتماعي وأخلاقي، تحولت الفجوة إلى “انهيار شبه كامل للثقة” في قدرة الدولة آنذاك على الإدارة والخدمة والإنصاف والعدالة الاقتصادية والمالية والقانونية، ما دفع شريحة واسعة إلى البحث عن بدائل اقتصادية خارج القنوات الرسمية.

منافسة خطرة

وحذر الصائغ من أن خطورة الظاهرة في سوريا تكمن في تحول اقتصاد الظل من اقتصاد مكمل إلى بديل، إذ بات يتحكم بتسعير الوقود والمواد الغذائية المستوردة، ويقدم خدمات مالية موازية عبر مكاتب الحوالات غير الرسمية، ما أدى إلى تراجع دور المؤسسات المالية الرسمية.

تداعيات خطيرة

وأشار إلى أن اقتصاد الظل يلحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوري عبر تشويه البيانات الرسمية، وتعطيل التخطيط، وحرمان الخزينة من الموارد الضريبية، وغياب الضمانات الاجتماعية للعمال.
كما يسهم في الضغط على الليرة السورية من خلال زيادة الطلب على العملات الأجنبية، وتوسيع الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية والموازية، واعتماد الدولار في التسعير.

حلول جوهرية

ورأى الصائغ أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتبسيط القوانين، ومكافحة الفساد، وإصلاح النظام الضريبي، التي تسعى الحكومة الحالية إلى تطبيقها خاصة مع تبنيها اقتصاد السوق الحر ومبدأ الحرية الاقتصادية، وتبسيط إجراءات تسجيل الأعمال.
وختم بأن آثار اقتصاد الظل في سورية ليست ظرفية بل بنيوية، وتمس قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وجذب الاستثمارات، وجهود إعادة الإعمار.

Leave a Comment
آخر الأخبار