الحرية- هناء غانم:
في ظل التحولات الاقتصادية العميقة التي يشهدها العالم، وتزايد حدة التحديات الداخلية والخارجية، يبرز سؤال جوهري أمام الاقتصاد السوري، كيف يمكن الانتقال من مرحلة الصمود وإدارة الأزمات إلى مرحلة النهوض المستدام؟
الإجابة، وفق خبراء الاقتصاد، لا تكمن في الحلول الجزئية أو الإجراءات الظرفية، بل في امتلاك رؤية اقتصادية مستقبلية واضحة المعالم، قادرة على توحيد الجهود وتوجيه الموارد نحو أهداف محددة وقابلة للتحقق.
في هذا السياق، يؤكد الدكتور والباحث الاقتصادي عامر محمد خربوطلي أن الحديث عن الرؤية الاقتصادية «ليس ترفاً فكرياً ولا طرحاً فلسفياً معزولاً عن الواقع»، بل يمثل جوهر أي انتقال جاد إلى مستوى اقتصادي جديد، بغض النظر عن حجم الإمكانات المادية أو المالية أو البشرية المتوافرة، أو مستوى الدعم التنموي الداخلي والخارجي.
الرؤية شرط أساسي للنهوض
ويرى خربوطلي في تصريحه لـ”الحرية” أن غياب الرؤية الاقتصادية يبقي الاقتصاد في حالة مراوحة أو تحسن بطيء غير محسوس، مهما بلغت الجهود المبذولة، «فالعمل من دون رؤية يبقى جهداً مهدوراً، كما أن الرؤية من دون عمل لا تتعدى كونها حلماً جميلاً صعب التنفيذ»، مشدداً على أن سوريا اليوم بأمسّ الحاجة إلى رؤية اقتصادية تمتد لعقدٍ زمني واضح، وصولاً إلى عام 2035 ، تُحدد الأهداف والسياسات والإجراءات، وتُترجم إلى برامج ومشاريع ذات نتائج قابلة للقياس والتقييم.
ويضيف: إن وجود مثل هذه الرؤية يشكل العامل الحاسم في استقطاب الدول والمؤسسات والمنظمات والشركات للمشاركة في عملية إعادة البناء الاقتصادي، حيث تتوزع الأدوار، وتتحدد المشاريع، وتُرسم الأولويات ضمن إطار وطني جامع، لا وفق اعتبارات فردية أو مصالح متفرقة.
من التوقع إلى التصميم الواعي للمستقبل
ويشرح خربوطلي أن الرؤية المستقبلية ليست مجرد توقع لما قد يحدث، كما كان الحال في كثير من الخطط التقليدية، بل هي «تصميم واعٍ للمستقبل المرغوب»، قائم على عملية تخيل إبداعية لما يمكن تحقيقه بالإمكانات المتاحة، مستندة إلى تجارب الدول التي استطاعت تحقيق قفزات نوعية خلال فترات زمنية قصيرة، ليس فقط بفضل مواردها، بل بامتلاكها رؤية ملهمة وتنفيذاً احترافياً لأهدافها.
ملامح رؤية سوريا 2035
ويحدد الدكتور خربوطلي مجموعة من المرتكزات الأساسية لرؤية سوريا 2035، في مقدمتها بناء اقتصاد حر تنافسي، مدعوم بشبكة أمان اجتماعي تحمي الفئات الأكثر هشاشة، إلى جانب إعطاء القطاعات الإنتاجية، من زراعة وصناعة تحويلية واستخراجية، الدور المحوري في خلق القيمة المضافة، مع التأكيد على أهمية قطاعي التجارة والخدمات بوصفهما رافعة أساسية لنجاح هذه القطاعات، وليس دوراً هامشياً أو ثانوياً.
كما تقوم الرؤية، حسب خربوطلي، على تحويل الميزات النسبية في السلع والخدمات إلى ميزات تنافسية عالية القيمة، وتعظيم الدخل القومي والفردي، وجعل تحسين مستوى المعيشة هدفاً رئيسياً لا يمكن الحياد عنه.
وتشمل كذلك الارتقاء بقطاع الخدمات العامة والبنى التحتية إلى مستويات الدول الناهضة، والاعتماد على التقانة والتكنولوجيا وريادة الأعمال، مع تركيز خاص على دعم وتطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة، دون إغفال المشاريع الكبرى والاستراتيجية.
دور القطاع الخاص والحكومة
ويؤكد خربوطلي أن قطاع الأعمال الخاص يجب أن يكون في صلب عملية النهوض الاقتصادي، في حين يقتصر دور الحكومة على كونها حكماً وموجهاً وداعماً لكل ما يخدم الاقتصاد الوطني، ضمن إطار واضح من الحوكمة الاقتصادية القائمة على الشفافية والمساءلة والإفصاح، إضافة إلى ترسيخ مبادئ الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص.
نحو إدارة حديثة وتنمية شاملة
وتتضمن الرؤية أيضاً، وفق خربوطلي، الانتقال من البيروقراطية المترهلة إلى الإدارة الحديثة والتحول الرقمي، وتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة تغطي كامل الجغرافيا السورية من دون تمييز، بمشاركة فاعلة من جميع أبناء المجتمع السوري المثقفين اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً.
الرؤية بوصفها بوصلة المستقبل
ويختم الدكتور عامر محمد خربوطلي حديثه بتأكيد أن الرؤية الاقتصادية المستقبلية لسوريا الجديدة تمثل «البوصلة في بحر متلاطم من التحديات والمتغيرات»، وهي خريطة الطريق نحو مستقبل واعد، ووقود رحلة التحول المصيرية، معتبراً أنها ليست ترفاً تنظيرياً، بل العنوان الحقيقي للنجاح القادم.