الحرية – أمين سليم الدريوسي:
في صورة تعكس التحول الجذري في مكانة سوريا الدولية، شارك وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات في جلسات حوارية رفيعة على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، حاملين معهم صوت بلادهم الجديدة إلى منصة كانت لسنوات مسرحاً لخطابات المعارضة والمنظمات الإنسانية، لأول مرة منذ 2011، تجلس الحكومة السورية على طاولة النخبة الدولية، ليس كمتفرج أو موضوع نقاش، بل كطرف فاعل يشرح رؤية بلاده للمستقبل.
الاعتراف بالواقع
خلال المؤتمر لم يكن خطاب الوزير الشيباني تقليدياً، بل كان وصفاً صادقاً لحالة بلاده، ففي جلسة حوارية، قال: «نحن نعيش في بلد منهك من الحرب، ومنهك بسوء الإدارة التي ورثناها من النظام البائد»، نرى في هذا صراحة غير معهودة في الخطاب الرسمي السوري وهي تحمل رسالة واضحة للدول الغربية، بأننا ندرك حجم التحديات، ولا ننكرها، بل نعمل على معالجتها.
ولم يتوقف الوزير عند وصف الواقع، بل قدم رؤية واضحة للمرحلة المقبلة تقوم على وحدة الأراضي، وحصر السلاح بيد الدولة، والعمل تحت سقف القانون.. وهي عناوين وجب العمل عليها، وهي تلقى قبولاً دولياً وتتناغم مع مطالب المجتمع الدولي.
إسرائيل.. نقطة الاشتباك الأكثر حساسية
اللافت في مداخلات الوزير كان تركيزه على «قلق سوريا» من الممارسات الإسرائيلية. فكشف بأرقام دقيقة، عن أكثر من ألف غارة جوية على سوريا بعد 8 كانون الأول 2024، واحتلال أراضٍ جديدة، وخمسمئة توغل بري، هذا التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق يضع الحكومة السورية أمام تحدٍ كبير، حول كيف يتم التوازن بين الانفتاح الدولي ورفض التدخلات الخارجية؟
تصريحات الشيباني خلال الجلسات الحوارية في ميونخ بأن «نهاية المفاوضات مع إسرائيل يجب أن تكون انسحابها من المناطق التي توغلت إليها» يضع خطاً أحمر واضحاً في السياسة الخارجية السورية، ويؤكد أن الانفتاح على الغرب لا يعني القبول بالأمر الواقع على الأرض.
العقوبات.. مفتاح إعادة الإعمار أم ورقة ضغط؟
الإجماع السوري في ميونخ كان واضحاً خلالها أن رفع العقوبات هو الشرط الأساسي لانطلاق عملية إعادة الإعمار، فالوزيرة قبوات ربطت بين رفع العقوبات وعودة الكرامة للسوريين، عندما قالت: «الشعب السوري يبحث عن عمل، وحينما يجده يشعر بالكرامة، ما يؤدي للسلام والاستقرار، وأولوية الحكومة حالياً هي تسريع وتيرة الاستثمارات»، مؤكدة أن المرأة السورية لها دور كبير في حاضر ومستقبل البلاد»، هذا الربط بين الاقتصاد والكرامة الإنسانية يقدم قراءة مختلفة لملف العقوبات، ليس كمسألة سياسية فحسب، بل كقضية إنسانية بامتياز.
ترحيب دولي
المواقف الدولية التي صدرت عن المؤتمر حملت رسائل إيجابية، فالسيناتور الأمريكية جين شاهين قالت إن سوريا تسعى للاستقرار والسلام والمصالحة، وهو أمر مهم ليس فقط للمنطقة بل للعالم، ودعت لمساعدتها في بناء مؤسساتها، أما النرويج فقد أكدت على لسان وزير خارجيتها إسبن بارث إيدي، ضرورة إعطاء السوريين الفرصة للعمل وإثبات أنفسهم، معرباً عن تفاؤله بالمستقبل، ومشيداً بالتزام الحكومة السورية بما أعلنته من تعهدات، فيما جددت ألمانيا دعمها، إذ أكد وزير الدولة الألماني للتعاون الاقتصادي والتنمية نيلز أنين استمرار بلاده في مساعدة سوريا على مختلف المستويات، وتعزيز العلاقات الثنائية، لكن الأهم كان تأكيد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان على أن سوريا «تسير في طريق الاستقرار والازدهار»، وهو موقف عربي يعزز عودة دمشق إلى محيطها الطبيعي.
إعادة تعريف الهوية السورية
ربما كانت الإشارة الأكثر أهمية في كلام الوزير الشيباني خلال مؤتمر ميونخ للأمن هي تأكيده أن «التنوع في سوريا هو مصدر قوة». هذه العبارة، عندما توضع في سياقها التاريخي والسياسي الدقيق، لا تحمل مجرد وصف واقعي للمجتمع السوري، بل تمثل تحولاً جذرياً في فلسفة الخطاب الرسمي للدولة السورية.
واليوم، مع تأكيد الشيباني أن التنوع «مصدر قوة»، تعلن الدولة السورية الجديدة قطيعة واضحة مع مقاربات أمنية ضيّقة. إنه اعتراف بأن سوريا، بتاريخها الممتد إلى آلاف السنين من التعايش، لا يمكن اختزالها في هوية واحدة، بل هي لوحة فسيفساء لا يكتمل جمالها إلا بكل مكوناتها.
سوريا تعود إلى الخريطة
ما جرى في ميونخ يؤكد شيئاً واحداً، أن سوريا عادت إلى الطاولة الدولية، لكن عودتها تحمل في طياتها تحديات كبيرة، فمن جهة، هناك ترحيب دولي متزايد بالحكومة السورية الجديدة، ومن جهة أخرى، هناك تشابك واضح حول ملفات حساسة مثل الانتهاكات الإسرائيلية والعقوبات الاقتصادية، ولكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً ومطروحاً، هل يترجم هذا الزخم الدبلوماسي إلى دعم عملي يعيد بناء ما دمرته الحرب، أم يبقى في إطار البيانات والتصريحات؟ والجواب عليه سيكون في الأشهر القادمة، حين تقترن الأقوال بالأفعال على الأرض.