الحرية– محمد زكريا:
حذرت الباحثة في مجال الزراعة والبحث العلمي الدكتورة انتصار الجباوي من تداعيات التراخي في منظومات عمل الحجر الصحي الزراعي في المعابر البرية والبحرية، حيث يؤدي التراخي إلى حدوث أمراض وآفات يصعب إزالتها مع مرور الوقت، مشيرة إلى أن الحجز الصحي الزراعي والبيطري في أي دولة من دول العالم، لا يُنظر إليه كإجراء إداري روتيني، أنما هو أحد أهم خطوط الدفاع لحماية الثروة النباتية والحيوانية والبيئة، لذلك فإن أي توجه نحو إلغاء هذا النظام أو إضعافه أو التقليل من دوره يشكل خطراً حقيقياً قد تمتد آثاره لسنوات طويلة، وقد تكون كلفته الاقتصادية والبيئية باهظة.
وحماية خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي مسؤولية وطنية
بالأمس القريب تداولت بعض الصفحات والمواقع الإلكترونية عن التراخي الحاصل في منظومات الحجر الصحي الزراعي بشقيه النباتي والحيواني لدى المعابر البرية والبحرية، كما تحدثت هذه الصفحات عن المخاوف النابعة جراء هذا التراخي، وبالتالي التداعيات الغير حميدة التي يمكن أن يسببها هذا التراخي من أمراض وكوارث صحية وبيئية واقتصادية.
وقائي استباقي
وحسب الجباوي فإن الحجر الصحي ليس تفصيلاً تقنياً يمكن الاستغناء عنه، بل هو منظومة علمية وقانونية متكاملة هدفها الأساسي منع دخول الآفات والأمراض غير الموجودة في البلاد، أو الحد من انتشارها في حال وجودها، موضحة إن التجارب العالمية، وكذلك التجارب التي عرفتها منطقتنا، أثبتت أن انتقال الآفات والأمراض عبر التجارة أو حركة الحيوانات والنباتات يمكن أن يحدث بسرعة كبيرة، في حين تكون مكافحتها بعد دخولها مكلفة للغاية وقد تصبح أحياناً شبه مستحيلة، ومن هنا تأتي أهمية الحجر الزراعي والبيطري بوصفه إجراءً وقائياً استباقياً يحمي الاقتصاد الزراعي قبل وقوع المشكلة.
مخاطره على الثروة الحيوانية
وفيما يتعلق بالحجر الصحي البيطري للحيوانات الحية، بينت الجباوي لـ”الحرية” إن المخاطر المرتبطة بإضعاف الحجر أو إلغائه قد تكون شديدة الخطورة، فالحيوانات المستوردة قد تحمل أمراضاً وبائية خطيرة يمكن أن تنتشر بسرعة بين القطعان المحلية، ومن أبرز هذه الأمراض الحمى القلاعية، وإنفلونزا الطيور، وحمى الخنازير الإفريقية، إضافة إلى أمراض مشتركة بين الإنسان والحيوان مثل الحمى المالطية، وبالتالي هذه الأمراض لا تسبب خسائر مباشرة في الثروة الحيوانية فحسب، بل قد تؤدي أيضاً إلى تراجع الإنتاج الحيواني من الحليب واللحوم والبيض، وارتفاع تكاليف المكافحة والعلاج، بل قد تضطر الحكومة أحياناً إلى إعدام أعداد كبيرة من الحيوانات لاحتواء الوباء.
مخاطره على النبات
وفيما يتعلق بالحجر الصحي النباتي أوضحت الجباوي ، فإن المخاطر لا تقل خطورة. ففتح باب الاستيراد دون رقابة حجرية صارمة قد يؤدي إلى إدخال آفات حشرية أو أمراض نباتية أو أعشاب غازية غير موجودة في البيئة الزراعية المحلية، مضيفة إن الزراعة في منطقتنا تعرضت في مراحل سابقة لمخاطر مؤلمة منها، عندما دخلت آفات جديدة إلى البلاد وتسببت بخسائر كبيرة في الإنتاج الزراعي، واستدعت حملات مكافحة طويلة ومكلفة، كما أن المواد الزراعية المستوردة، مثل البذور أو الشتول أو حتى بعض المدخلات الزراعية، قد تكون حاملة لأمراض أو آفات غير مرئية في مراحلها الأولى، لكنها قادرة على الانتشار بسرعة بعد إدخالها إلى البيئة الزراعية المحلية. وهنا تحديداً تكمن أهمية الخبرة الفنية المتخصصة التي يوفرها نظام الحجر الزراعي.
جزء من منظومة دولية
ومن المهم التأكيد أن الحجر الزراعي والبيطري ليس مسألة محلية فحسب، بل هو جزء من منظومة دولية تنظم حركة السلع الزراعية بين الدول وتحمي الموارد الطبيعية، لذلك فإن معظم دول العالم المتقدمة تشدد إجراءات الحجر ولا تخففها، لأن تكلفة الوقاية دائماً أقل بكثير من تكلفة المعالجة بعد وقوع الضرر.
حاجز الأمان
ونوهت الجباوي أن أي قرار يتعلق بمنظومة الحجر الصحي يجب أن يُدرس بعناية شديدة، وأن يستند إلى رأي المختصين والخبراء في مجالات وقاية النبات والطب البيطري، فهذه المنظومة تمثل حاجز الأمان الذي يحمي الزراعة والثروة الحيوانية والبيئة من مخاطر قد لا تظهر آثارها فوراً، لكنها قد تتحول لاحقاً إلى أزمات حقيقية يصعب احتواؤها.
ركيزة الأمن الغذائي
وبالتالي فإن الزراعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي ركيزة أساسية من ركائز الأمن الوطني والغذائي. وحمايتها تتطلب الحفاظ على كل الأدوات العلمية والوقائية التي تضمن استدامتها، وفي مقدمتها نظام الحجر الصحي الزراعي والبيطري، وبالتالي يمكن القول بأن تعزيز دور الحجر الصحي وتطويره وتزويده بالكفاءات والخبرات العلمية يجب أن يكون أولوية، لأن حماية الزراعة تبدأ من الحدود قبل أن تبدأ في الحقول.