الاقتصاد المعرفي.. رهان سوريا على المستقبل

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – سراب علي:

يبرز الاقتصاد المعرفي كأحد أهم المسارات الاستراتيجية القادرة على إعادة بناء الاقتصادات المتأثرة بالأزمات، وتوفير فرص تنموية مستدامة، خاصة للدول التي تمتلك موارد بشرية  كسورية ، فهل يشكل الاقتصاد المعرفي فرصة حقيقية للنهوض الاقتصادي؟ وماهي متطلبات بنائه والتحديات التي تواجه الشباب السوري في الانخراط فيه؟

د.لايقة: يتطلب استثماراً  مستداماً في راس المال البشري 

مقومات البناء

هنا يوضح رئيس قسم إدارة الأعمال في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، الدكتور هشام عدنان لايقة، أن بناء اقتصاد معرفي فعال في سوريا يتطلب توافر حزمة متكاملة من العناصر الأساسية، في مقدمتها بنية تحتية رقمية متطورة تشمل شبكات اتصال عالية السرعة، مراكز بيانات حديثة، ومنصات حوسبة سحابية قادرة على دعم الابتكار والخدمات الرقمية.

وأكد لايقة لـ”الحرية” أن النظام التعليمي والتدريبي يشكل حجر الأساس في هذا التحول، مشدداً على ضرورة التركيز على مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إلى جانب تطوير مهارات التفكير النقدي والإبداعي.

كما أشار إلى أهمية وجود بيئة تشريعية داعمة تتضمن قوانين لحماية الملكية الفكرية، وتشجيع الابتكار، وتفعيل الحوكمة الرقمية.

لايقة لفت إلى الدور المحوري لـلشراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال التعاون بين الجامعات والشركات والجهات الحكومية، إضافة إلى ضرورة توفير تمويل مخصص عبر صناديق استثمار معرفي، وحاضنات أعمال، ومسرعات نمو، مع تعزيز ثقافة مجتمعية تشجع الريادة والابتكار وتقبل المخاطرة المحسوبة.

تحديات تعوق الشباب

رغم الإمكانات البشرية الكبيرة، لا يخفي لايقة وجود تحديات حقيقية تواجه الشباب السوري في الانخراط بالاقتصاد المعرفي، أبرزها التحديات البنيوية المتمثلة بضعف البنية التحتية الرقمية، وانقطاع الكهرباء والإنترنت.

كما أشار إلى التحديات الاقتصادية، مثل نقص التمويل، وارتفاع تكاليف الأجهزة والتقنيات الحديثة، وضعف القدرة الشرائية، إلى جانب التحديات التعليمية الناتجة عن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ونقص البرامج التدريبية المتخصصة.

وأضاف: لا تقل التحديات الاجتماعية والقانونية أهمية، حيث تشمل هجرة العقول، والنظرة التقليدية لبعض مجالات العمل المعرفي، إضافة إلى تعقيدات التسجيل وحماية الملكية الفكرية وصعوبات التحويلات المالية الدولية.

قطاعات واعدة

وحول القطاعات المعرفية الأكثر ملاءمة في المرحلة الراهنة، أشار لايقة إلى مجموعة من المجالات القادرة على استيعاب الطاقات الشابة، أبرزها تطوير البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات، ولا سيما التطبيقات والمواقع الإلكترونية، إضافة إلى التصميم الجرافيكي والوسائط المتعددة، كما تشمل هذه القطاعات التعليم الإلكتروني وتطوير المحتوى الرقمي، والتسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية، إلى جانب التقنيات المالية، والزراعة الذكية، والطاقة المتجددة والحلول البيئية، باعتبارها مجالات ذات كلفة دخول أقل وفرص نمو عالية.

ويرى الخبير الإداري أنه على المؤسسات التعليمية التقنية التكيف مع متطلبات الاقتصاد المعرفي عبر تحديث المناهج وإدراج مهارات المستقبل مثل البرمجة، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، إضافة إلى تطوير برامج تدريبية مشتركة مع القطاع الخاص لتلبية احتياجات السوق.

كما شدد على أهمية إنشاء مراكز تميز للبحث والتطوير والابتكار داخل الجامعات، وتعزيز التعليم المهني والتقني وربطه مباشرة بمتطلبات الاقتصاد المعرفي، إلى جانب تبني التعلم المدمج باستخدام المنصات الإلكترونية، خاصة في المناطق النائية.

الاقتصاد المعرفي وإعادة الإعمار

وأضاف لايقة: يلعب الاقتصاد المعرفي دوراً محورياً في إعادة الإعمار والتنمية المستدامة، من خلال خلق فرص عمل جديدة، وتقليل البطالة بين الشباب المتعلم، وتنويع مصادر الدخل بما يخفف الاعتماد على القطاعات التقليدية، كما يسهم في جذب الاستثمارات، ولا سيما من السوريين في الخارج، وتحسين كفاءة قطاعات الإعمار عبر التقنيات الحديثة، إضافة إلى تمكين المرأة من خلال فرص العمل عن بعد، وتعزيز الحفاظ على البيئة باستخدام الحلول الرقمية والتقنيات الخضراء.

نماذج يمكن الاستفادة منها

وفي معرض حديثه عن التجارب الدولية الناجحة التي يمكن لسوريا الاستفادة منها، أشار لايقة إلى عدد من النماذج الناجحة، منها الأردن في تطوير قطاع تكنولوجيا المعلومات وجذب الاستثمارات، والإمارات في إنشاء المدن الذكية والمناطق الاقتصادية المعرفية، وماليزيا في التحول من الاقتصاد الصناعي إلى المعرفي.

كما لفت إلى تجربة رواندا في التحول الرقمي رغم محدودية الموارد، وتونس في دعم ريادة الأعمال الرقمية وحاضنات التكنولوجيا، إضافة إلى الهند التي طورت قطاع الخدمات المعرفية بالاستفادة من الخبرات الخارجية.

رؤية للمستقبل

وختم لايقة بالتأكيد على أن بناء اقتصاد معرفي في سوريا يتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد، وشراكة حقيقية بين جميع الأطراف، واستثماراً مستداماً في رأس المال البشري، الذي يشكل الثروة الحقيقية والأكثر استدامة لسوريا في مسيرتها نحو التعافي والنهوض.

Leave a Comment
آخر الأخبار