الحرية ـ دينا الحمد:
في خطوة تحمل أبعاداً سياسية عميقة تتجاوز حدود اللقاءات الرسمية، جاءت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا لتشكّل محطة مفصلية في مسار العلاقات الدولية، وتعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة بعض الدول الأوروبية للملف السوري بعد سنوات من الجمود والتوتر.
هذه الزيارة يمكن قراءتها على أنها بداية إعادة تموضع سياسي، حيث باتت الواقعية السياسية تفرض نفسها على حساب الخطابات التقليدية، فبرلين، تبدو أكثر انفتاحاً على مقاربة جديدة تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات المشهد السوري، وتقرّ بأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن تحقيقه دون الانخراط المباشر مع الدولة السورية.
الزيارة حملت في طياتها رسائل متعددة الاتجاهات، فكان أولها أن سوريا، رغم سنوات الحرب والعقوبات، ما تزال فاعلاً حاضراً لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة، وثانيها أن أوروبا بدأت تدرك أن سياسة العزل لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة، بل أسهمت في تعقيد الأزمات، سواء على مستوى الهجرة أو الأمن أو الطاقة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن فتح قنوات الحوار مع دمشق يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية إعادة الإعمار كفرصة استراتيجية، وليس مجرد ملف إنساني، بل فرصة استراتيجية بامتياز، فالشركات الأوروبية، وعلى رأسها الألمانية، تدرك أن مرحلة ما بعد الحرب تحمل إمكانات واسعة، وأن الغياب عن هذا المشهد قد يعني خسارة نفوذ طويل الأمد.
وسياسياً، تمثل هذه الزيارة كسراً جزئياً لحالة الاستقطاب، وإشارة إلى أن التوازنات الدولية لم تعد أحادية الاتجاه، بل تخضع لإعادة تشكيل مستمرة تفرضها الوقائع الميدانية والمتغيرات الجيوسياسية، كما أنها تعكس رغبة أوروبية في لعب دور أكثر استقلالية، بعيداً عن الاصطفافات الحادة التي طبعت السنوات الماضية.
في المقابل، تؤكد دمشق من خلال هذه الزيارة تمسكها بخيار الانفتاح المشروط، القائم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع استعدادها لتوسيع دائرة التعاون بما يخدم مصالح الشعب السوري ويعزز الاستقرار الإقليمي.
في المحصلة، فإن زيارة الرئيس السوري إلى ألمانيا تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الأولويات، والانطلاق نحو مقاربات أكثر واقعية واتزاناً في التعامل مع أحد أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الدولية المعاصرة.
زيارة الرئيس الشرع إلى برلين.. كيف تكسر العزلة وتعيد رسم موازين السياسة الأوروبية؟
Leave a Comment
Leave a Comment