الحرية- سراب علي:
أكد الدكتور عبد الهادي الرفاعي عميد كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية أن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا والمملكة المتحدة البريطانية خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، وتأتي هذه الزيارات بعد سلسلة من التحركات الدبلوماسية التي شهدتها الأشهر الماضية، بما في ذلك إعادة فتح السفارة الألمانية في دمشق بعد 13 عاماً من الإغلاق، واستعادة العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا .
وأضاف الرفاعي في تصريحه لـ”الحرية”: تشكل هذه الزيارات تحولاً جوهرياً في استراتيجية دمشق الاقتصادية، حيث تنتقل سوريا من مرحلة العزلة الدولية إلى مرحلة الاندماج الاقتصادي، مع التركيز على جذب الاستثمارات الأجنبية والاستفادة من خبرات الجالية السورية في الخارج .
بوابة إعادة الإعمار الأوروبية
وأشار الدكتور الرفاعي إلى أن استقبال الرئيس الشرع باستقبال رسمي رفيع في برلين ولقاءه كبار المسؤولين الألمان يعكس تحولاً كبيراً في الموقف الألماني تجاه سوريا بعد سنوات من القطيعة.
أما اقتصادياً فإن الزيارة مثلت تحولاً من المساعدات إلى الاستثمار، خاصة أن ألمانيا تُعد بوابة رئيسية لإعادة البناء، وأعلن الرئيس الشرع توجه سورية نحو برنامج اقتصادي جديد، ومرحلة إعادة بناء مع تعديلات مرتقبة في قانون الاستثمار لتشجيع رأس المال الأجنبي.
ولفت الرفاعي إلى أنه جرى توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم أبرزها مع شركة سيمنز لدعم الشبكة الكهربائية، وشركة كنوف للمياه والطاقة، إضافة إلى اجتماعات قطاعية ومنتدى اقتصادي في برلين عرض فيه فرص الاستثمار بالنفط والغاز والبنية التحتية.
وبالنسبة للاجئين (نحو 940 ألفاً في ألمانيا)، وقد أعلن الرئيس الشرع عن العمل مع الحكومة الألمانية على إنشاء “نموذج هجرة دائري” يسمح للسوريين بالمساهمة في الإعمار دون فقدان استقرارهم في ألمانيا، فيما شدد المستشار ميرتس على تمكين عودة المزيد منهم، معتبراً أن تحرير سورية يعني زوال أسباب اللجوء.
استكمالاً للمسار
وعن الزيارة إلى بريطانيا بيّن الرفاعي أنها تعد استكمالاً للمسار الأوروبي، وهي أول زيارة رسمية له إلى بريطانيا منذ استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، و تأتي هذه الزيارة بعد سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى، بما في ذلك لقاء مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على هامش مؤتمر المناخ COP30 في البرازيل .
وأشار الرفاعي إلى أن الزيارة لبريطانيا لها أبعاد اقتصادية، إذ تتزامن مع توقعات بإعلان بريطانيا عن برنامج تمويل للصادرات البريطانية إلى سوريا، يهدف إلى دعم إعادة البناء وتعزيز الشراكة الاقتصادية، وكانت بريطانيا قد أعلنت سابقاً عن حزمة دعم بقيمة 94.5 مليون جنيه إسترليني موجهة للمساعدات الإنسانية والتعافي الاقتصادي والتعليم .
الفرص الاستثمارية المتوقعة
وأشار الرفاعي إلى أن الفرص الاستثمارية المتوقعة تشمل دعم الشركات البريطانية في السوق السوري، والاستفادة من قانون الاستثمار السوري الجديد الذي يسمح بالملكية الأجنبية بنسبة 100%، و التركيز على قطاعات الطاقة والبناء والزراعة
التحول في استراتيجية دمشق الاقتصادية
وفي سياق متصل، أشار الرفاعي إلى رفع العقوبات الدولية عن سورية شكل في عام 2025 نقطة تحول مفصلية في مسار الاقتصاد، فبعد أن قدر النمو الاقتصادي السوري من نحو 1% وفقاً لتقديرات البنك الدولي عام ٢٠٢٥، يتوقع البنك المركزي السوري تحقيق نمو يقارب 10% في 2026، مدفوعاً بعودة صادرات النفط لأول مرة بعد ١٤ عاماً ، وإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتزايد التحويلات والاستثمارات من الخارج.
ركائز استراتيجية جديدة
وأوضح الرفاعي أنه من ركائز الاستراتيجيات الاقتصادية الجديدة هو:
١- التحول من المساعدات إلى الاستثمار: تتجه سوريا لتكون مركزاً استثمارياً إقليمياً بدلاً من الاعتماد على المساعدات.
٢-تفعيل دور الجاليات: خاصة في ألمانيا، بوصفها شريكاً أساسياً في إعادة الإعمار.
٣- تنويع الشراكات: عبر الانفتاح على قوى دولية متعددة شرقاً وغرباً.
٤- دلالات اختيار ألمانيا وبريطانيا في هذا التوقيت، الأهمية الجيوسياسية فألمانيا: بوصفها القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، تمثل بوابة رئيسة لأي جهد تمويلي واسع لإعادة بناء سورية، كما أن وجود أكبر جالية سورية في ألمانيا يجعلها شريكاً رئيساً في ملف عودة اللاجئين.
أما عن بريطانيا: فهي تمثل بحليفتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بوابة للنفوذ الغربي في سورية، كما أن برنامج تمويل الصادرات البريطاني يمكن أن يفتح الباب أمام استثمارات أوسع من القطاع الخاص .
عن التوقيت الاستراتيجي للزيارات ، فيشير عميد الكلية إلى أنها جاءت بعد سلسلة من المتغيرات الإقليمية والدولية، منها رفع العقوبات واكتمال الإطار القانوني لرفع العقوبات عن سورية خلال 2025، والانتخابات الألمانية، حيث تولي فريدريش ميرتس المستشارية في مايو 2025، مع سياسة أكثر تشدداً تجاه ملف الهجرة إضافة إلى التصعيد مع إيران واستمرار التوتر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، ما يعزز الموقع الاستراتيجي لسورية كحليف محتمل للغرب.
المكاسب المتوقعة
وأوضح الرفاعي أن المكاسب المتوقعة من الزيارات هو :
١- دعم اقتصادي مباشر: فتح قنوات تمويل لمشاريع إعادة البناء خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية
٢- تعزيز الشرعية الدولية: ترسيخ مكانة فخامة الرئيس الشرع كقائد وطني، وتمهيد الطريق لإعادة فتح السفارات بالكامل.
٣- شراكة أمنية محتملة: إمكانية التعاون في مكافحة الإرهاب.
وأكد الدكتور الرفاعي أن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا لحظة فارقة في مسار التحول الاقتصادي والسياسي لسورية فبعد سنوات من العزلة والحرب، إذ تفتح هذه الزيارات آفاقاً جديدة للتعاون مع أوروبا، مع التركيز على الانتقال من منطق المساعدات إلى الاستثمارات والشراكات الاستراتيجية، ومع ذلك يؤكد الرفاعي أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرهوناً بقدرة الحكومة السورية على تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وبين تلبية التطلعات الغربية للإصلاح والحفاظ على السيادة الوطنية.
وختم الرفاعي بالقول: إن سوريا تسير بخطى ثابتة نحو إعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وثرواتها البشرية، لكن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحقيق التعافي الاقتصادي الكامل وإعادة الإعمار الشامل.