سباق التسلح النووي يعود إلى الواجهة.. هل تحولت الحرب على إيران إلى تهديد وجودي للنظام العالمي؟

مدة القراءة 12 دقيقة/دقائق

الحرية – أمين سليم الدريوسي:

بعد مرور شهر كامل على اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، يبدو أن تداعيات هذه المواجهة لم تعد محصورة في حدود الشرق الأوسط، بل تجاوزتها لتصل إلى قلب النظام العالمي للحد من انتشار الأسلحة النووية، فما كان يُنظر إليه قبل أشهر قليلة على أنه «منطقة رمادية» في سياسات الردع النووي، أصبح اليوم ميداناً مفتوحاً لسباق تسلح جديد قد يعيد تشكيل ملامح الأمن العالمي لعقود قادمة.
في تقرير نشرته وكالة «بلومبرغ» يوم أمس، نقلاً عن مسؤولين وخبراء، كشف النقاب عن تحول جذري في الموقف الدولي تجاه الأسلحة النووية، حيث بدأت حكومات «من شمال الأطلسي إلى غرب المحيط الهادئ» تناقش علناً وبشكل متزايد الحاجة إلى امتلاك ترسانات نووية خاصة بها، هذا التحول، الذي وصفه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي بأنه «أخطر تهديد لنظام عدم الانتشار منذ نصف قرن»، لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لسياسات الضغط القصوى التي اتبعتها إدارة ترامب في الشرق الأوسط.

أولاً: الانهيار الصامت لنظام عدم الانتشار
قبل اندلاع الحرب في 28 شباط الماضي، كان النظام الدولي لعدم انتشار الأسلحة النووية يعاني بالفعل من تشققات عميقة، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، وانهيار معاهدة الصواريخ المتوسطة المدى (INF) عام 2019، ورفض تمديد معاهدة نيو ستارت «New START» التي انتهت في شباط 2026، كلها كانت مؤشرات على أن العقد الدولي الذي صمد لعقود بدأ ينهار.
لكن الحرب على إيران كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ففي الأسابيع الأربعة الماضية، شهد العالم سلسلة من التطورات غير المسبوقة خلال هذه الحرب إذ قامت إسرائيل، باستهداف للمنشآت النووية الإيرانية، بما في ذلك مفاعل أراك للمياه الثقيلة ومصنع اليورانيوم في أردكان، في ضربات وصفتها إيران بأنها «استفزاز خطير»، تلا ذلك إعلان واشنطن أنها تدرس استئناف التجارب النووية بعد توقف دام 34 عاماً، مع تأكيد مسؤولين أمريكيين أن أي قرار بهذا الشأن لم يُحسم بعد، لكن الخيار «لا يزال مطروحاً على الطاولة».
كذلك تحركات أوروبية غير مسبوقة لإنشاء مظلة نووية مستقلة عن الولايات المتحدة، حيث أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن توسيع الردع النووي الفرنسي ليشمل القارة الأوروبية، ورحبت دول مثل ألمانيا وبولندا بهذه الفكرة.
هذه التطورات، مجتمعة، تشير إلى أن العالم يقف على حافة حقبة جديدة، حقبة ما بعد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية «NPT»

ثانياً: دول أوروبا والمحيط الهادئ.. من «المظلة» إلى «الردع الذاتي»
وأحد أبرز التحولات التي كشف عنها تقرير بلومبرغ هو أن الدول التي كانت تعتمد لعقود على المظلة النووية الأمريكية بدأت تفكر جدياً في امتلاك أسلحة نووية خاصة بها.
في أوروبا، لم يعد الحديث عن «الردع المستقل» ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة أمنية، فقد أعلن المستشار الألماني فريدرش ميرتس أنه بدأ محادثات سرية مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون حول إنشاء منظومة ردع نووي أوروبية، مشيراً إلى أن برلين «لن تسمح بظهور مناطق أمنية مختلفة في أوروبا”، وفي خطوة غير مسبوقة، وافقت ألمانيا على المشاركة في مناورات نووية فرنسية هذا العام، في إشارة واضحة إلى أن التحالف الأطلسي لم يعد الخيار الوحيد.
أما في شرق آسيا، فيبدو المشهد أكثر تعقيداً وخطورة، فكوريا الجنوبية، التي تعتبر واحدة من أقوى الاقتصادات التكنولوجية في العالم، تشهد دعوات متزايدة لامتلاك أسلحة نووية، فقد أشار تقرير معهد «آسان» الكوري الجنوبي إلى أن أكثر من 75% من الكوريين يدعمون امتلاك بلادهم ترسانة نووية خاصة، وهذا رقم قياسي.
ويليام ألبيرك، الباحث الرئيسي في منتدى المحيط الهادئ، يصف المشهد بأنه «تأثير دومينو» خطير: «سقوط كوريا الجنوبية سيسحب معه اليابان، وسقوط اليابان سيفتح الباب أمام سقوط تايوان، وهنا ستسنح الفرصة للصين لدخول تايوان»، ويؤكد أن هذا السيناريو، إلى جانب ما يحدث في الشرق الأوسط، يجعل المنطقتين على شفا انفجار أمني غير مسبوق.
اليابان، التي ظلت لعقود ملتزمة بمبادئها الثلاثة غير النووية «عدم امتلاك، عدم إنتاج، عدم إدخال أسلحة نووية»، بدأت أيضاً في مناقشة خياراتها، ففي كانون الأول الماضي، صرح مستشار كبير لرئيسة الوزراء ساناي تاكايشي بأن «اليابان يجب أن تمتلك القنبلة النووية» وسط توترات متصاعدة مع الصين حول تايوان، ورغم أن الحكومة سارعت إلى نفي هذه التصريحات، فإنها تعكس تحولاً عميقاً في الخطاب العام.

ثالثاً: السعودية بين المطرقة الإيرانية والسندان الأمريكي
من بين أكثر القصص التي كشف عنها تقرير «بلومبرغ» إثارة للجدل، هي أن الإدارة الأمريكية، في الوقت الذي تقصف فيه إيران بسبب برنامجها النووي، كانت تناقش منح المملكة العربية السعودية حق تخصيب اليورانيوم .
ووفقاً لوثائق اطلعت عليها «بلومبرغ»، أرسلت الإدارة الأمريكية إلى الكونغرس تقريراً من ثلاث صفحات يدعم نقل تكنولوجيا نووية حساسة إلى الرياض، بما في ذلك التعاون في مجال تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم، ويقول التقرير إن مثل هذا الاتفاق «سيخدم المصالح الأمنية الأمريكية» ويمنح واشنطن رؤية أوسع للبرنامج النووي السعودي.
وفقاً لخبراء مستقلين لا تلتزم آراؤهم بالسياسات الأمريكية الرسمية، فإن الموقف الأمريكي يعكس تناقضاً صارخاً، ويقول روبرت كيلي، المدير السابق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية: «ما تفعله الإدارة الأمريكية يخالف كل السوابق التاريخية، فمن ناحية، هي تشن حرباً على إيران وتقصف منشآتها النووية بحجة تطويرها قدرات تخصيب اليورانيوم، ومن ناحية أخرى، تقدم المساعدة للسعودية لتمكينها من فعل الشيء نفسه، هذا ليس مجرد تناقض، بل منافقة واضحة».
هذه المعضلة تعكس واقعاً جديداً: فالنظام العالمي لعدم الانتشار النووي لم يعد قائماً على مبادئ ثابتة، بل على المصالح الاستراتيجية المتغيرة.

رابعاً: الصين وروسيا.. من دعاة عدم الانتشار إلى محفزيه؟
في الوقت الذي تتهم فيه واشنطن طهران بالسعي لامتلاك سلاح نووي، فإنها تواصل تصعيد خطابها ضد بكين وموسكو، إذ تدعي واشنطن أن الصين أجرت تجارب نووية سرية في عام 2019، وأن روسيا فعلت الشيء نفسه في عام 2020، وبكين وموسكو تنفيان هذه الاتهامات بشكل قاطع، لكن التصعيد اللفظي لم يتوقف.
وقد قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في تصريحات صحفية الجمعة الماضية: «لدينا أدلة على أن بكين وموسكو تواصلان تطوير ترساناتهما النووية بسرعات قياسية، بينما ردت وزارة الدفاع الصينية بأن «الاتهامات الأمريكية لا أساس لها من الصحة، والصين لم تشارك أبداً في سباق تسلح نووي مع أي دولة».
إن هذا التناقض يعكس أزمة ثقة عميقة بين القوى العظمى، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار كامل للمعاهدات الدولية التي حافظت على الاستقرار الاستراتيجي لعقود.

خامساً: غروسي يحذر: «المزيد من الأسلحة النووية لن يجعل العالم أكثر أماناً»
وسط هذا المشهد المظلم، يظل صوت المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، الأكثر اعتدالاً والأكثر تحذيراً في آن واحد، ففي مقابلة مع وكالة «بلومبرغ»، لم يتردد غروسي في كشف خطورة ما يحدث: «إن احتمال امتلاك أسلحة الدمار الشامل لم يعد مجرد سيناريو نظري، بل بات يُناقش علناً، حتى في الدول التي تعهدت بعدم امتلاكها مطلقاً».
ثم يضيف محذراً: «لكن دعونا نكون واضحين، فإن المزيد من الأسلحة النووية في المزيد من الدول لن يجعل عالمنا أكثر أماناً، بل سيفعل العكس تماماً، اليوم، أكثر من أي وقت مضى، علينا التمسك بمعايير عدم الانتشار النووي، تلك المعايير التي خدمت البشرية خير خدمة على مدى نصف القرن الماضي».
تحذيرات غروسي، التي كانت قبل أشهر تُعتبر «رسمية» و«متوقعة»، تبدو اليوم وكأنها صرخة في وادٍ، فالدول التي كانت ترى في الأسلحة النووية ضماناً للردع أصبحت تراها اليوم ضرورة وجودية بعد التجارب الليبية وقبلها الأوكرانية والآن الإيرانية، حيث تخلى الغرب عن حلفائه الذين تخلوا عن ترساناتهم النووية.

سادساً: هل نحن على أعتاب حقبة ما بعد «إن بي تي»؟
يتساءل المحللون اليوم عما إذا كنا نشهد نهاية نظام عدم الانتشار النووي كما عرفناه، فمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية «NPT» التي وُقعت عام 1968 ودخلت حيز التنفيذ عام 1970، ظلت لعقود العمود الفقري للأمن الدولي، لكنها اليوم تواجه أكبر تحدٍ في تاريخها، في ظل مؤشرات متزايدة على انهيارها التدريجي.
فالولايات المتحدة تدرس استئناف التجارب النووية بعد توقف دام عقوداً، بينما انسحبت روسيا من معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. وفي الوقت نفسه، تواصل الصين تطوير ترسانتها النووية بوتيرة متسارعة، فيما قد تصبح إيران، في حال انهارت المفاوضات، دولة نووية فعلية، وكوريا الشمالية تمتلك بالفعل أسلحة نووية وتختبرها باستمرار.
في هذا المناخ المتوتر، تتجه أنظار العالم إلى اجتماعات الأمم المتحدة لمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية المقررة في الشهر المقبل، والتي يُتوقع أن تشهد مواجهة حادة بين الدول النووية وغير النووية، فالدول غير النووية تتهم القوى الكبرى بانتهاك التزاماتها، بينما تتهم الأخيرة بعضها البعض بالسعي للهيمنة، في مشهد يعكس أزمة ثقة عميقة قد تطوي صفحة هذا النظام الدولي الذي صمد لنصف قرن.

من حرب إيران إلى سباق التسلح العالمي
الحرب على إيران، كشفت عن ثلاث حقائق قاسية أعادت تشكيل نظرة الدول إلى الأمن والردع:
الحقيقة الأولى: القوة النووية هي الضمانة الوحيدة للبقاء، فالدول التي تخلت عن ترسانتها النووية طواعية، مثل ليبيا وأوكرانيا، تعرضت للغزو والتفكيك، ولم تنفعها الضمانات الدولية التي تلقتها، فالعبرة التي خرجت بها الدول الصغرى واضحة: «تخلَّ عن قنبلتك، تُترك وحدك في وجه العاصفة».
الحقيقة الثانية: الردع الأمريكي لم يعد كافياً لحماية الحلفاء، فدول مثل ألمانيا وبولندا، التي كانت لعقود تحت المظلة النووية الأمريكية، بدأت اليوم تبحث عن مظلات بديلة، بل وتناقش علناً امتلاك قدرات نووية مستقلة.
الحقيقة الثالثة: نظام عدم الانتشار النووي انهار فعلياً، فالولايات المتحدة نفسها، التي كانت راعية لهذا النظام لأكثر من خمسين عاماً، أصبحت اليوم تهدد باستئناف التجارب النووية.
خلاصة القول.. اليوم ونحن على مشارف الذكرى الخامسة والسبعين لأول تجربة لقنبلة هيدروجينية في التاريخ، يعود العالم مرة أخرى إلى نقطة الصفر، فكما حذر غروسي: «المزيد من الأسلحة النووية في المزيد من الدول لن يجعل العالم أكثر أماناً»، لكن في عالم تشتعل فيه النيران من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، ومن شبه الجزيرة الكورية إلى تايوان، يبدو أن هذه الحكمة قد ضاعت وسط صخب البنادق وصواريخ القنابل، حيث لم يعد مسموعاً إلا منطق القوة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سيتعلم العالم من دروس الماضي، أم أننا مقبلون على سباق تسلح جديد سيكون أكثر خطورة من أي سباق سابق؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤشرات التي بين أيدينا لا تبشر بالخير.

Leave a Comment
آخر الأخبار