الحرية ــ رفاه نيوف:
مع مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد، وفي الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، تبدو سوريا أمام مرحلة سياسية جديدة تتشكل ملامحها تدريجياً على المستويين الإقليمي والدولي، فبعد سنوات طويلة كانت خلالها البلاد ساحة مفتوحة للصراع العسكري والتجاذبات الدولية، بدأت اليوم مرحلة مختلفة عنوانها إعادة بناء الدولة، وعودة سوريا إلى محيطها العربي والدولي، إلى جانب تزايد اهتمام القوى الكبرى بالمشاركة في إعادة الإعمار وصياغة التوازنات الجديدة في المنطقة.
وفي هذا السياق يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الكريم العمر أن سوريا بعد عام من التحرير وسقوط النظام دخلت مرحلة إعادة تشكّل سياسي وجيوسياسي، ويشير إلى أن البلاد لم تعد مجرد ساحة صراع عسكري ودولي كما كانت خلال سنوات الحرب، بل بدأت تتحول إلى ميدان تنافس بين القوى الكبرى على النفوذ السياسي والاقتصادي، وعلى المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة.
نظرة القوى الكبرى
يوضح العمر أن الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى سوريا اليوم باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط، خاصة بعد تراجع النفوذ الإيراني في البلاد، ويرى أن السياسة الأمريكية تركز على مجموعة من الأهداف الأساسية، في مقدمتها منع عودة تنظيم «داعش» ودعم مؤسسات الدولة السورية، والعمل على إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الدولي، من خلال إنهاء العقوبات المفروضة عليها وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.
أما روسيا فيرى العمر أنها تعمل على إعادة بناء علاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة بعد خسارة حليفها السابق، ويعتبر أن سقوط نظام الأسد شكّل ضربة سياسية لموسكو، الأمر الذي دفعها إلى محاولة صياغة علاقات جديدة ومتوازنة مع الدولة السورية، مع السعي في الوقت نفسه إلى الحفاظ على وجودها العسكري في المنطقة الشرقية من البحر المتوسط والمشاركة في بعض المشاريع الاقتصادية التي قد تسهم في إعادة إعمار البلاد.
وفي ما يتعلق بالصين، يوضح العمر أن بكين تركز بصورة أساسية على الجانب الاقتصادي، حيث تسعى إلى الاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية داخل سوريا، كما تنظر الصين إلى موقع سوريا الجغرافي باعتباره حلقة مهمة ضمن مشروع «الحزام والطريق» الذي يهدف إلى ربط آسيا بأوروبا عبر شبكة من الطرق والممرات التجارية، الأمر الذي يمنح سوريا أهمية استراتيجية في هذا المشروع.
دعم أوروبي لمرحلة ما بعد الحرب
وعلى الصعيد الأوروبي، يشير العمر إلى أن الاتحاد الأوروبي يعد من القوى الدولية التي أبدت دعماً واضحاً لسوريا الجديدة منذ بداية مرحلة التحرير، ويضيف أن مواقف عدد من الدول الأوروبية الكبرى، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، كانت ثابتة في انتقاد النظام السابق وسياساته خلال سنوات الثورة.
ويتابع أن الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط النظام شهدت خطوات أوروبية مهمة، من بينها رفع العقوبات المفروضة على سوريا، إضافة إلى تقديم دعم واضح للدولة السورية في مرحلة إعادة الإعمار، والعمل على معالجة ملف اللاجئين السوريين الذي شكّل خلال السنوات الماضية تحدياً كبيراً لعدد من الدول الأوروبية.
دعم عربي واسع
على المستوى العربي، يؤكد العمر وجود دعم عربي واسع لسوريا في مرحلتها الجديدة، ولا سيما من دول الخليج العربي، ويشير إلى أن المملكة العربية السعودية وقطر والكويت تقدم دعماً سياسياً واقتصادياً مهماً للدولة السورية، وتسعى إلى مساندة القيادة السورية في جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة وإنجاح المرحلة الانتقالية.
كما يلفت إلى أن هذه الدول توظف علاقاتها الدولية للمساهمة في تعزيز حضور سوريا على الساحة الدولية، وتشجيع التعاون الاقتصادي والاستثماري معها، بما يساعد على تسريع عملية التعافي وإعادة الإعمار.
مرحلة توازن دولي جديد
وفي ختام تحليله، يرى العمر أن سوريا دخلت بالفعل مرحلة جديدة من التوازن الدولي بعد أكثر من أربعة عشر عاماً كانت خلالها ساحة صراع ونفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، مؤكداً أن الأداء الدبلوماسي المتصاعد للقيادة السورية ووزارة الخارجية أسهم في إعادة جذب اهتمام العديد من دول العالم بسوريا.