سوريا نحو التعافي.. وبرلين تفتح المسار

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ نهلة ابوتك:

بين تحديات القنوات المالية وفرص الاستثمار، يسعى الاقتصاد السوري اليوم إلى الطريق الأمثل للعودة إلى نشاطه الطبيعي.
زيارة السيد الرئيس أحمد الشرع إلى برلين ليست مجرد حدث دبلوماسي، بل تمثل خطوة حقيقية نحو إعادة بناء الثقة مع المؤسسات الأوروبية وتهيئة بيئة للتعافي الاقتصادي الفعلي.
في تصريح لـ”الحرية”، يوضح الباحث في الشؤون الاقتصادية ملهم الجزماتي أن “المرحلة الحالية تتطلب بناء الثقة قبل ضخ الأموال، وألمانيا قادرة على لعب هذا الدور إذا ما تم تفعيل قنوات التعاون المالي والتجاري بشكل مدروس. الدعم الحقيقي لا يقاس بالمبالغ الكبيرة، بل بقدرة المؤسسات على تمكين الاقتصاد السوري من العودة للعمل الطبيعي تدريجيًا.”

من تخفيف العقوبات إلى قنوات مالية أكثر مرونة

بعد أن خفف الاتحاد الأوروبي جزءًا من العقوبات الاقتصادية على سوريا في 2025، أصبح التحدي ليس حجم الأموال فقط، بل توفر قنوات دفع آمنة وموثوقة تسمح للتجارة والتمويل بالتحرك بحرية.
ويضيف الجزماتي: “إعادة فتح القنوات المالية الأوروبية ليست مجرد تسهيل للمعاملات، بل خطوة استراتيجية لتمكين الاستثمار المحلي وتحفيز القطاعات الحيوية مثل الصناعة والزراعة والخدمات، وبالتالي تحسين الواقع المعيشي للسوريين.”
فتح هذه القنوات يعني تمكين المؤسسات السورية من الوصول إلى الأسواق الأوروبية بثقة، ما يسهم في انخفاض تكاليف التمويل، استقرار أسعار المواد الأساسية، وزيادة فعالية الاستثمارات المحلية.

ألمانيا… شريك التعافي الاستراتيجي

تلعب المؤسسات الألمانية دورًا محوريًا، حيث تركز على إعادة بناء الأساس الاقتصادي قبل ضخ الاستثمارات الكبيرة. أبرز هذه المؤسسات:
بنك التنمية الألماني (KfW): يمول مشاريع التعافي المبكر وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات المياه والكهرباء والمستشفيات والمدارس، ويدعم القطاع الخاص لتعزيز قدرته الإنتاجية.
الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ): تركز على تعزيز الحوكمة والإدارة المحلية والتدريب المهني، لضمان قدرة المؤسسات على إدارة الموارد بفعالية، وتهيئة بيئة عمل مستدامة. وقد نفذت مشاريع مماثلة ناجحة في العراق ولبنان، ما يجعل نموذجها قابلاً للتطبيق في سوريا.
ويضيف الجزماتي: “KfW وGIZ لا يقدمان تمويلاً فحسب، بل يصنعان آلية مستدامة لبناء القدرات المحلية. هذا يجعل التعاون الألماني أكثر قيمة من أي وعود مالية كبيرة، لأنه يؤسس لنمو اقتصادي حقيقي.”

الأثر المباشر على السوريين

تحسين قنوات الدفع والتمويل وتهيئة بيئة الأعمال ينعكس مباشرة على حياة المواطن السوري: تسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، ما يضمن توفر السلع الأساسية بأسعار أكثر استقرارًا.
خفض تكاليف المعاملات المصرفية، ما يقلل من تكلفة تشغيل القطاع الخاص.
دعم استقرار الأسواق ورفع قدرة المؤسسات المحلية على التخطيط الاقتصادي طويل الأمد.
خلق فرص عمل تدريجية من خلال مشاريع إعادة التأهيل والخدمات العامة.
زيادة فرص الشباب في التدريب المهني والوظائف المستدامة، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويقلل من الهجرة غير الرسمية.
ويختتم الجزماتي: “المواطن السوري هو المستفيد المباشر من أي تقدم في هذه المرحلة. مشاريع إعادة التأهيل والخدمات الأساسية ليست مجرد بنية تحتية، بل تفتح آفاق عمل وتحسن جودة حياة الناس بشكل ملموس.”

تحليل اقتصادي أعمق

إعادة فتح القنوات المالية والتجارية الأوروبية تولد سلسلة من التأثيرات الاقتصادية المترابطة:
تعزيز الاستثمارات المحلية: توفر التمويل يمكّن الشركات من إعادة تشغيل خطوط الإنتاج، تحديث التكنولوجيا، ورفع الإنتاجية.
رفع حجم الصادرات السورية: الوصول الآمن للأسواق الأوروبية يتيح تصدير منتجات زراعية وصناعية، ما يحسن ميزان المدفوعات.
تحفيز نمو القطاع الخاص: تقليل المخاطر المصرفية يشجع ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، العمود الفقري لأي اقتصاد متعاف.
استقرار العملة والأسعار: تزايد حجم المعاملات القانونية والدخول الآمن للعملة الصعبة يحسن أداء الليرة السورية ويحد من التضخم.
ويقول الجزماتي: “نجاح هذه الخطوات سيؤدي إلى تحول حقيقي في الاقتصاد السوري، حيث تصبح سوريا شريكًا فعالًا في إعادة بناء اقتصادها، وليس مجرد متلقية للمساعدات.”

 التحديات والفرص

رغم الفرص الواعدة، يعتمد نجاح المسار على عدة عوامل أساسية يعددها جزماتي:
تطوير بيئة تنظيمية مستقرة وشفافة.
تعزيز الثقة بين المؤسسات السورية والأوروبية.
بناء شراكات تدريجية مع القطاع الخاص والمؤسسات المالية.
نجاح هذه المحاور يجعل من زيارة برلين خطوة تأسيسية للتعافي الاقتصادي الحقيقي، وليس مجرد حدث دبلوماسي. فزيارة برلين قد لا تعد بالمال الكبير، لكنها تفتح الباب أمام المسار الصحيح للتعافي الاقتصادي، وتمهّد لإعادة الثقة وفتح القنوات المالية والتجارية، ما يمكّن سوريا من الشروع في رحلة جديدة نحو اقتصاد قادر على النمو والاستدامة.
كذلك، يصبح الدور الألماني ليس دعمًا مباشرًا فحسب، بل محرك أساسي لمرحلة التعافي التي طال انتظارها.

Leave a Comment
آخر الأخبار