شركات القطاع العام.. مقاربة إصلاحية بين الحوكمة وتحسين الأداء الاقتصادي

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – وديع فايز الشماس:

يُعدّ إصلاح الشركات العامة المملوكة للدولة أحد المحاور الجوهرية في النقاش الاقتصادي الدائر حول إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، ولا سيما في ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة، وارتفاع كلفة دعم المؤسسات الخاسرة، مقابل تراجع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.
وفي هذا السياق، برزت مؤخرًا مباحثات بين وزارة المالية وفرق متخصصة من البنك الدولي، تناولت ملفات إصلاح المالية العامة، وفي مقدمتها إعادة هيكلة قطاع الشركات المملوكة للدولة، وتحويلها إلى كيانات قادرة على العمل وفق أسس ربحية وتنافسية، بما يعزز النمو الاقتصادي ويوسّع قاعدة فرص العمل.

أساس قانوني وطني للتحول

يرتكز هذا التوجه إلى إطار قانوني واضح، إذ نصّ قانون الشركات رقم 29 لعام 2011، ولا سيما المادة 216، على إمكانية تحويل المؤسسات والشركات العامة إلى شركات مساهمة عامة تمتلك الدولة كامل أسهمها في المرحلة الأولى، مع إمكانية طرح جزء من هذه الأسهم لاحقًا وفق آليات تدريجية ومنضبطة.
هذا التحول لا يغيّر الشكل القانوني فحسب، بل ينقل الشركات العامة إلى بيئة عمل تخضع لقواعد: الحوكمة الرشيدة، والإفصاح المالي، والتدقيق والمساءلة، والرقابة على الأداء.
وهي قواعد معمول بها في القطاع الخاص، وتُعدّ شرطًا أساسيًا للحد من الهدر وتعزيز الكفاءة.

التحول ليس خصخصة

يؤكد الخبير الاقتصادي مروان زغيب أن تحويل الشركات العامة إلى شركات مساهمة «لا يعني الخصخصة»، بل يمثل انتقالًا من الإدارة التقليدية في إدارة مؤسسات الدولة إلى الإدارة الاقتصادية الحديثة.
ويشير زغيب في حديثه لـ”الحرية”، إلى أن «جوهر التحدي في الشركات المملوكة للدولة لا يرتبط بالملكية العامة بحد ذاتها، بل بضعف الحوكمة، وبيروقراطية الإدارة، وغياب ربط الأداء بالنتائج، ما يؤدي إلى تحميل الخزينة خسائر متراكمة دون محاسبة واضحة».

ويضيف: إن التحول إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة يفرض وجود ميزانيات مدققة، مجالس إدارة مسؤولة، آليات لإدارة المخاطر، وخطط تشغيل قائمة على مؤشرات أداء.

وهو ما ينعكس مباشرة على تحسين الكفاءة الاقتصادية وتخفيف الضغط عن المالية العامة.

من عبء مالي إلى أداة تنموية

اقتصاديًا، يُنظر إلى هذا النموذج باعتباره أحد أهم أدوات إصلاح القطاع العام الاقتصادي، لأنه يسمح بفصل نسبي بين دور الدولة كمالك، ودورها كمنظم ومراقب، وهو ما يتوافق مع نماذج الاقتصاد المختلط المعتمدة في العديد من الدول.

ويمكن لهذا التحول أن يفتح الباب أمام:

  • تحسين إدارة الشركات العامة
  • رفع الإنتاجية
  • تعزيز مساهمة القطاع العام في التنمية
  • تمهيد منضبط للشراكة مع القطاع الخاص
  • حماية المال العام من الاستنزاف المستمر

وبذلك يتحول القطاع العام من عبء مالي إلى رافعة تنموية.

مخاطر مشروعة تتطلب حوكمة صارمة

يحذر الخبير الاقتصادي مروان زغيب وكثير من الخبراء من أن نجاح هذا المسار مرهون بتوافر شروط أساسية، أبرزها:

  • استقلالية مجالس الإدارة، واعتمادها المنهج العلمي الحديث في القيام بمهامها
  • شفافية التعيين
  • حماية حقوق العاملين
  • منع أي تحويل غير منضبط للأصول العامة
  • ربط الأجور والحوافز بمؤشرات أداء واضحة

ويؤكد مختصون أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بتغيير الشكل القانوني فقط، بل بتغيير الثقافة الإدارية وآليات اتخاذ القرار الاقتصادي، وتعزيز بيئة رقابية تضمن استدامة الإصلاح.

فرصة حقيقية بشروط

إن تحويل شركات القطاع العام إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة يمثل خيارًا إصلاحيًا مطروحًا ضمن الإطار القانوني الوطني، ويمكن أن يشكل فرصة حقيقية لإعادة تأهيل القطاع العام الاقتصادي، شريطة أن يُنفّذ وفق رؤية واضحة، وحوكمة صارمة، وشفافية في الإدارة، وآليات رقابة فعّالة، وتجنب الحلول الشكلية.

فالإصلاح المؤسسي ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتحسين الأداء الاقتصادي وتعزيز دور الدولة التنموي.

Leave a Comment
آخر الأخبار