الحرية- ميسون شباني:
يقدّم مسلسل “شمس الأصيل” تجربة درامية تنتمي شكلياً إلى أعمال البيئة الشامية، لكنها تتجاوز حدودها التقليدية لتغوص في عمق الأسئلة الإنسانية المرتبطة بالحقيقة، والانتماء، والذنب، والعدالة المؤجلة.
العمل لا يستعيد الماضي بوصفه حنيناً بصرياً، بل يتعامل معه كمساحة صراع حيّة، تتقاطع فيها المصائر، وتنكشف فيها هشاشة القيم أمام اختبارات الزمن. 
المسلسل من تأليف قاسم الويس وإخراج عمار تميم وإنتاج شركة شاميانا للإنتاج والتوزيع الفني، يشارك في بطولة العمل عدد كبير من نجوم الدراما السورية، من بينهم: دانا جبر،عهد ديب، عبير شمس الدين، وفاء موصلي، سوزان سكاف، أمانة والي، أمية ملص، تولاي هارون، ريم عبد العزيز، الليث المفتي، حسام عيد، رائد مشرف، نور طباع، عهد ديب، أكرم الحلبي، أسامة السيد يوسف، عاطف حوشان، إلى جانب وجوه أخرى.
ويُصوَّر العمل في أحد البيوت الدمشقية التراثية العريقة “بيت نظام”، حيث تتحول العمارة الدمشقية إلى عنصر سردي فاعل يعكس طبقات الشخصيات وما تخفيه الجدران من أسرار.
*حبكة درامية قائمة على السرّ
تدور الأحداث في الحقبة العثمانية داخل إحدى الحارات الدمشقية، وتنطلق من عائلة تعود من اسطنبول بعد غياب طويل، مصطحبةً فتاة يعتقد الجميع أنها ابنتهم.
غير أن الأيام تكشف حقيقة مختلفة، لتبدأ الحكاية بالتشظي، ويصبح السرّ محوراً للصراع، لا بوصفه حدثاً عابراً، بل كقوة خفية تعيد تشكيل العلاقات وتبدّل مسارات الحياة.
ومن خلال رفض “البيك” لفكرة التبني، تتأسس الدراما على صراع أخلاقي مبكر، يتعقّد مع دخول شخصيات جديدة على الخط، أبرزها عصام ابن المختار، الذي يقع في حب فتاة قادمة من عالم الجريمة، في علاقة تفتح أبواباً واسعة على قضايا النسب، والخيانة، والانتقام، وتضع المجتمع المحلي أمام مرآة قاسية لذاته.
*العنوان كفكرة لا كاسم
يحمل عنوان العمل بعداً رمزياً واضحاً، إذ تنطلق دلالته من شخصية “أصيل” بوصفها تجسيداً لفكرة الحقيقة التي قد تُخفى، لكنها لا تموت.
“شمس الأصيل” ليست ضوءاً خارجياً بقدر ما هي صحوة داخلية، حيث يتحول الضمير الإنساني إلى ساحة العقاب الأشد، ويتقدّم الصدق في النهاية بوصفه قدراً لا مهرب منه.
*شخصيات تُبنى من الداخل
ويخوض الفنان ليث المفتي شخصية “رشدي” المثقلة بالماضي، تعيش على هامش الحاضر وهي أسيرة خطيئة قديمة.
رشدي ليس شريراً تقليدياً، بل رجل مكسور، يطارده شعور دائم بالذنب، ويبحث عن الخلاص في عالم لا يمنح المغفرة بسهولة.
قوته الدرامية تنبع من صراعه الداخلي الصامت، حيث يصبح الألم جزءاً من هويته.
فيما تلعب الفنانة تولاي هارون شخصية “ديبة” امرأة تمسك بخيوط اللعبة من الظل. شخصية قوية، حادة، متعددة الوجوه، تجمع بين القسوة والحنان، وتتحرك وفق منطقها الخاص.«ديبة» ليست مجرد خصم أو محرّك للأحداث، بل نموذج لامرأة تصنع سلطتها في مجتمع لا يعترف بسهولة بقوة النساء، وتدفع ثمن خياراتها بلا تراجع.
أما الفنانة نور شمص فشخصية “فريزة” تمثل أنموذجاً للفتاة البسيطة فهي تنتمي إلى بيئة متواضعة، تبدأ رحلتها ببراءة واضحة، قبل أن تصطدم بواقع قاسٍ يفرض عليها النضوج المبكر. تمثل “فريزة” صراع الفرد بين ما يرغب به وما يُفرض عليه، وتشكّل إحدى أكثر الشخصيات تحوّلاً على امتداد السرد.
*شمس وأصيل
شخصيتان تشكّلان القلب العاطفي للعمل، وتقدم الفنانتان دانا جبر وعهد ديب عبر الشخصيتين بعداً إنسانياً يوازن قسوة الصراعات. وحضورهما لا يقوم على البطولة التقليدية، بل على طرح أسئلة أخلاقية تتعلق بالاختيار، والصدق، والقدرة على مواجهة الحقيقة مهما كانت موجعة.
رغم انتمائه إلى دراما البيئة الشامية، يبتعد “شمس الأصيل” عن التكرار والاستنساخ، ليقدّم معالجة اجتماعية معاصرة لقضايا الهوية والانتماء والعدالة، من خلال مجتمع مأزوم بأسراره، يعيش صراعاً دائماً بين ما يُقال وما يُخفى.