الحرية – محمد زكريا:
طالعتنا الأخبار الأخيرة بتصريحات من غرفة تجارة دمشق تشير إلى أن 95% من الأقمشة المستخدمة في صناعتنا الوطنية هي أقمشة مستوردة، وأن الحل يكمن في “سياسات جمركية ذكية”، لكن البعض من أصحاب الخبرات والكفاءات وأصحاب الاختصاص يرون أن “تخفيض الرسوم” هو مسكن موضعي وليس علاجاً جذرياً، فالبقاء تحت رحمة المستورد (في ظل اضطراب سلاسل التوريد العالمية) يضع صناعة الألبسة السورية العريقة في مهب الريح، وحسب رأيهم فإن الحل ليس في تنظيم الاستيراد، بل في “تذويبه” لصالح التصنيع المحلي وفق رؤية تعتمد على التشاركية بين الصناعيين أنفسهم بحيث يتم العمل على استراتيجية التكتلات الصناعية.
دور المنظم والمحفز
الصناعي سيف الدسوقي أشار إلى المشكلة ليست في التاجر، بل في “نشاطه”، وعليه يمكن لوزارة الاقتصاد والصناعة أن تقوم بدور “المنظم والمحفز” عبر جمع كل 10 مستوردين للأقمشة في تكتل واحد، ودفعهم نحو تبديل نشاطهم من “مستوردين” إلى “أصحاب مصانع نسيج”، وبهذه الطريقة، لا تقطع أرزاقهم، بل تضمن لهم دخلاً مستداماً وأكثر أماناً كمنتجين، وتحول كتلتهم النقدية من استنزاف للقطع الأجنبي إلى بناء أصول صناعية وطنية.
تسهيلات صفرية
وأوضح الدسوقي لـ الحرية إلى انه بدلاً من أن تذهب أرباح التجار لشركات النسيج في الخارج، يتم استثمارها في جلب أحدث خطوط الإنتاج العالمية، وهنا يمكن مطالبة الحكومة بتقديم تسهيلات “صفرية” لهذه التكتلات الصناعية الجديدة (أراضٍ مجانية، إعفاءات ضريبية طويلة الأمد، وتأمين حوامل الطاقة) مقابل شرط واحد: توطين صناعة الأقمشة التي كانوا يستوردونها.
صناعة أقمشتنا محلياً
ونوه الدسوقي إلى أنه عندما نصنع أقمشتنا محلياً، نتحرر فوراً من تقلبات الشحن والموانئ التي ذكرها “العقاد” كسبب لرفع الأسعار، إضافة إلى التبعية للأسواق الخارجية، ومنه نضمن استقرار سعر المنتج النهائي للمواطن السوري، إلى جانب خروج العملة الصعبة، حيث يتحول ثمن القماش من “صادر” إلى “دوران رأس مال” داخل الاقتصاد السوري، فضلاً عن حماية الصناعة بالإنتاج لا بالمنع وبالتالي لا ندعو لمنع الاستيراد بشكل تعسفي، بل ندعو لإيجاد البديل الوطني الأقوى، عندما يتحول المستوردون إلى صناعيين، سيصبحون هم خط الدفاع الأول عن الصناعة الوطنية، لأن مصلحتهم ستكون في حماية مصانعهم الجديدة، وسيقدمون للسوق جودة أعلى وتكلفة أقل من المستورد الأجنبي.
كرامة اقتصادنا
إن الاكتفاء بـ “تخفيض الرسوم الجمركية” هو بقاء في دائرة التبعية. إن “ازدهار سوريا” الحقيقي يبدأ عندما نقرر أن ننسج ثيابنا بخيوطنا وعلى آلاتنا، و تحويل 10 مستوردين إلى أصحاب مصنع عملاق هو “الضربة الاستراتيجية” التي ستحول سورية من مستهلك للأقمشة إلى مصدّر عالمي للألبسة المتكاملة (من الخيط إلى القميص)، وهو مشروع يحتاج لقرار جريء وصبر استراتيجي يمتد لسنوات، لكنه يضمن كرامة اقتصادنا للأبد.