الحرية – نهلة أبو تك:
تواجه سوريا تحدياً لا يقل خطورة عن إعادة الإعمار المادي إعادة بناء الوعي العام وترميم الثقة المجتمعية التي اهتزت بفعل سنوات النزاع والانقسام.
ومع تزايد الحاجة إلى خطاب وطني مسؤول يحمي السلم الأهلي ويعزز الانتماء، يظهر الإعلام كأداة أساسية في توجيه الرأي العام نحو التماسك والوحدة الوطنية.
لم تعد وظيفة الإعلام اليوم مقتصرة على نقل الأحداث، بل تجاوزته إلى صناعة الوعي، وضبط الخطاب العام، ومواجهة الإشاعات وخطابات التحريض، في مجتمع ما زال يتعافى من آثار الحرب الاجتماعية والنفسية.
الإعلام بعد الحرب مسؤولية وطنية
يؤكد الصحفي سنان سوادي أن الإعلام مطالب بإعادة تقييم أدواته وخطابه بما يتناسب مع حساسية المرحلة: “الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل شريك في إعادة بناء الوعي. كل مادة إعلامية يمكن أن تهدئ المجتمع وتعزز الثقة، أو تزيد التوتر إذا لم تُقدَّم بمسؤولية”.
ويشير لـ”الحرية” إلى أن الإعلام الجامع يشكل عنصر استقرار أساسي، ويساهم في مواجهة الإشاعات وخطابات التضليل، مردفاً: عندما يلتزم الإعلام بالمهنية والموضوعية، يصبح عامل طمأنة للمجتمع، ويعيد للمواطن شعوره بأنه جزء من الحل ومسار التعافي.
تأثيره على السلم الأهلي
يرى الإعلامي شاكر مقداد أن الخطاب الإعلامي يجب أن يوازن بين كشف التحديات والحفاظ على السلم المجتمعي قائلاً: الإعلام لا يعمل بمعزل عن الواقع الاجتماعي. المجتمع السوري بحاجة إلى خطاب هادئ ومسؤول، يطرح القضايا بجرأة دون إثارة أو استقطاب.
ويضيف: الضغط الإعلامي الإيجابي يشكل أداة إصلاح حقيقية. الإعلام المهني يواكب قضايا الناس، ويطرح الأسئلة الضرورية، دون أن يتحول إلى عامل توتير أو انقسام.
ترميم الثقة المجتمعية
يؤكد الإعلامي بسام العقلة أن آثار الحرب الاجتماعية ليست قدراً دائماً، مبيناً أن تجاوز هذه المرحلة يبدأ بخطاب يعترف بالتحديات ويعيد ترسيخ قيم العيش المشترك. إشراك المجتمع، لا سيما الشباب، عنصر أساسي في أي مسار تعاف، فهو يعيد الثقة ويخفف التوتر ويبني شعوراً جماعياً بالمسؤولية تجاه المستقبل.
الإعلام كمساحة جامعة
تتفق آراء الخبراء على أن الإعلام الوطني مطالب بأن يكون مساحة جامعة تعكس تنوع المجتمع ضمن إطار من المهنية والالتزام بالثوابت الوطنية. إدارة الاختلاف بعقلانية وتقديم الرأي والرأي الآخر وفق ضوابط مهنية يعزز الحوار ويحد من الانقسام.
الإعلام الجامع لا يعني تغييب التحديات أو تعطيل النقد، بل تقديمه بمسؤولية، توازن بين حق المعرفة ومتطلبات الاستقرار، وتدعم جهود التعافي الاجتماعي والاقتصادي.
معركة الوعي أساس التعافي
في مرحلة إعادة البناء، تبرز معركة الوعي كأهم معارك ما بعد الحرب. فإعادة الإعمار لا تقتصر على البنى التحتية، بل تشمل الإنسان وثقته بالمستقبل.
الإعلام اليوم ليس شاهداً محايداً فحسب، بل شريك في حماية السلم الأهلي وصناعة الوعي الوطني، من خلال خطاب يعزز الوحدة، ويحمي المجتمع، ويواكب قضاياه بموضوعية ومهنية.
الكلمة المسؤولة قادرة على ترميم الثقة، وجمع السوريين حول قيم المواطنة والشراكة، لتبقى سوريا وطناً يتسع للجميع، وتظل الوحدة الوطنية أساس الاستقرار وبوابة المستقبل.