من ريف الشيخ بدر إلى فضاءات الإبداع.. طلال يوسف يرسم الأمل رغم قسوة الظروف

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- رنا الحمدان:

يقف مرسم الفنان طلال يوسف في دخلة فرعية بسوق طرطوس، شاهداً حياً على علاقة استثنائية بين الإنسان والفن، علاقة قاومت تغير الأزمنة، والحرب، وجائحة كورونا، والضغوط الاقتصادية، وما زالت تنبض بالأمل والجمال.

مسار حياة

طلال يوسف، خريج كلية الفنون الجميلة عام 2000، لم يكن الفن لديه مجرد دراسة أكاديمية، بل مسار حياة، منذ عام 2006 بدأ بإعطاء دروس خاصة لتعليم الرسم والأشغال اليدوية، واضعاً خبرته في خدمة الأطفال والشباب، ومؤمناً بأن الرسم ليس ترفاً بل ضرورة تربوية ونفسية.
اليوم، ورغم تراجع الطلب على اللوحات مقارنةً بسنوات سابقة كان فيها التسويق نشطاً واللوحات تقتنى للمنازل والمحلات، لا يزال المرسم مساحة مفتوحة للتعلم والتنفس الإبداعي.
يستقبل يوسف طلابه ابتداءً من عمر خمس سنوات، ويشير إلى أن رسومات الأطفال قادرة على كشف ملامح شخصياتهم وحالاتهم النفسية، لذلك يعتمد اختباراً أولياً لكل طفل للتعرف على مستواه وميوله، مستنداً إلى قراءاته في علم النفس، المتأثرة بإرث والده خريج جامعة مصر في الفلسفة وعلم النفس، إضافة إلى اطلاعه على كتب متخصصة برسومات الأطفال.
ولا يقتصر جمهوره على الأطفال فقط، إذ يضم المرسم طلاباً جامعيين من كليات الطب والهندسة وغيرها، يقصدونه كمتنفس روحي يمارسون فيه هوايتهم المحببة، إضافة لتنفيذ ورشات تحضيرية للراغبين بالتقدم إلى كليات العمارة والفنون الجميلة ومعاهد الرسم، مع متابعة دقيقة لمشاريع العمارة من إخراجات وتصاميم ومنظور، وإقامة دورات تعليمية لتصميم الأزياء، وهذا التنوع جعل من المرسم مركزاً فنياً وتعليمياً متكاملاً رغم الإمكانات المحدودة.
عن تجربته، يؤكد يوسف أن الموهبة قد تكون فطرية، لكن الدراسة تصقلها وتمنحها أدواتها الصحيحة، فالرسم تحكمه مبادئ وخطوط، غير أن “روح الفنان” هي ما يترك الأثر الحقيقي، فهناك –كما يقول– لوحات متقنة تقنياً لكنها بلا إحساس، بينما يستطيع الفنان الحقيقي إيصال مشاعره عبر استخدام أساليب الشفافيات، والضبابيات، والأسلوب اللوني.. ليجذب المتلقي إلى عمق اللوحة.

انفتاح المكان

داخل المرسم، تتجاور لوحات زيتية وأكريليك لعدة فنانين مع لوحة منفذة بالخيطان وفق خوارزميات دقيقة، في مشهد يعكس انفتاح المكان على التجارب الفنية المختلفة، ورغم انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات القص بالليزر وغيرها، يرى طلال أن إحساس اليد الإنسانية يبقى الأصدق والأقرب للقلب.
الظروف والأعباء الاقتصادية أثرت بشكل واضح على طلب اللوحات، التي تحدد أسعارها حسب الحجم والموضوع والجهد والوقت، علماً أن نقابة الفنانين التشكيليين كانت قد حددت سابقاً سعر المتر المربع بـ10 آلاف ليرة سورية، وعن دور النقابة في واقع عمل الفنانين التشكيليين يوضح طلال أنها تساهم في تنظيم المعارض والفعاليات الفنية.

النمط الريفي

أما عن أعماله الأقرب إلى قلبه، فيشير الفنان طلال إلى حبه للنمط الريفي الذي يذكره بمنبته في قرية الجباب بريف الشيخ بدر، لما يحمله من سكون وراحة للنفس، وفي جولة بين لوحاته، يلمس الزائر الفرح والطاقة الإيجابية حتى في مشاهد البحر الهائج، حيث تحضر الألوان والأسلوب بروح “خضراء” تبعث على الأمل والحب، وهو ما يوافق عليه الفنان طلال مبتسماً.
وفي غرفة داخلية من المعرض، توجد ورشة نجارة متخصصة بتجهيز مراسم وإطارات اللوحات ولوحات الأسماء الخشبية حسب الطلب، يعمل فيها أصدقاء للفنان.
بين الريف واللون، وبين الطفل واللوحة، يواصل طلال يوسف رحلته مؤمناً بأن الفن، مهما اشتدت الظروف، سيبقى مساحة للنجاة، ورسالة إنسانية لا يمكن استبدالها.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار