عاصمة الاقتصاد السوري بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وسياسة إغراق المستوردات… رئيس غرفة صناعة حلب: اقتصاد السوق الحر يحتاج إلى مقومات خاصة غير موجودة حالياً  

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية – أنطوان بصمه جي:

تجد اليوم مدينة حلب الاقتصادية نفسها في خضم معركة اقتصادية غير متكافئة، لا تقل ضراوة عن معارك الحجر والبشر التي عاشتها طيلة السنوات الماضية، فمعركة البقاء الاقتصادي في ظل انتهاج اقتصاد السوق المفتوح تحتاج إلى شروط ومقومات خاصة غير موجودة من حيث الاقتصاد القوي ووجود قدرة شرائية لدى المواطن وآلية ضبط عمليات الاستيراد والتصدير.

على الرغم من هذه الصعاب لا تزال مداخن المعامل الصناعية في حلب شاهدة على صمود إرث صناعي يمتد لقرون، غير أن صوت الآلات الصناعية الذي كان يملأ العاصمة الاقتصادية والمدينة الصناعية الأولى في سوريا بات اليوم متقطعاً، أشبه بنبض قلب يكافح من أجل البقاء، فمن المعروف أن مدينة حلب كانت تؤمن أكثر من نصف الإنتاج الصناعي السوري، وتصدر منتجاتها لعواصم العالم، فهي اليوم تقف بعد الحرب أمام منعطف حرج في مسار الصناعة الحلبية.

وأوضح رئيس غرفة صناعة حلب عماد طه القاسم خلال تصريح خاص لصحيفة «الحرية» أن الوضع الحالي للصناعة صعب للغاية بعد استنزاف الصناعيين وما تبقى لديهم من بقايا آلات صناعية تحتاج إلى ترميم وتحديث، مبيناً أن تكاليف الانتاج مرتفعة حتى اليوم من أسعار الكهرباء والفيول والمواد الأولية.

الفجوة القاتلة: لماذا يخسر «صُنع في حلب» المعركة؟

على عكس التوقعات التي راهنت على انتعاش سريع للصناعة المحلية بعد تحرير المدينة، يكشف رئيس غرفة صناعة حلب عماد طه القاسم حقيقة صادمة، حيث تتركز المشكلة الأكبر في اختلال معادلة تكاليف الانتاج بين المواد المستوردة والمصنعة محلياً، مبيناً أنه في الوقت الذي يكافح فيه الصناعي الحلبي لتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار السوق الحرة وضمن تكاليف تشغيل مرتفعة، تغزو الأسواق بضائع مستوردة تتمتع بدعم حكومي من بلدانها المصدرة.

ويصف رئيس غرفة صناعة حلب المفارقة القاسية التي تكمن في السياسات الجمركية الحالية، حيث إن الرسوم المفروضة على الواردات بأنها “رمزية” وتُحتسب بالكيلو، ما يمنح المستورد أفضلية سعرية ساحقة لا يستطيع المنتج المحلي مجاراتها. هذه السياسة وبحسب وصف رئيس غرفة صناعة حلب وإن كانت تهدف لتأمين حاجة السوق، إلا أنها تحولت إلى ما يشبه سياسة «الإغراق» التي ألحقت ضرراً بالغاً بقطاعات استراتيجية، يتصدرها القطاع النسيجي الذي كان «تاج حلب الاقتصادي» ويتبعه القطاع الغذائي.

حلول على الأفق أم ترقيع لجرح نازف؟

في خضم هذا الواقع المأزوم، يؤكد رئيس غرفة صناعة حلب أن هناك تحركات جدية لإعادة التوازن، وأن المفاوضات مع الهيئة العامة للمنافذ البرية أثمرت عن توافق على إصدار مرسوم وشيك يهدف إلى ضبط التوازن التنافسي. وأوضح القاسم أن الهدف ليس خلق احتكار محلي، بل «ضمان منافسة عادلة» توقف نزيف الصناعة الوطنية.

كما أشار إلى أن المطالب الجوهرية تتركز في محورين بداية من توحيد البنود الجمركية خصوصاً على مدخلات الإنتاج الأساسية كـالأقمشة والمواد البتروكيميائية لسد الثغرات التي تسمح بالتلاعب في التصنيف والتهرب من الرسوم المستحقة، وثانيها تشديد الرقابة النوعية باعتماد مطابقة المواصفات القياسية السورية على كل ما يدخل عبر المنافذ من بضائع، وبالتالي فهي تشكل خط دفاع عن المستهلك وعن الصناعة المحلية على حد سواء.

تراخيص جديدة وتقييم الأضرار

وكشف رئيس غرفة صناعة حلب أن عام ٢٠٢٥ شهد تسجيل ٩٠٠ قرار ترخيص جديد لتشييد مصانع جديدة ومنها لم تنفذ ومنها لم تأخذ سجلات صناعية حتى اليوم، في حين بلغ عدد المسجلين في غرفة صناعة حلب حتى نهاية ٢٠٢٥ إلى ١٢٠٠ صناعي، مبيناً أن مدينة حلب كانت تستقطب ٥٠٪ من العمالة ويصل إنتاجها إلى ٨٠٪ من الصادرات السورية، ويضيف إن غرفة صناعة حلب شكلت لجنة خاصة لتقييم الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية الصناعية والمصانع المنهوبة جهزت تقاريرها بانتظار التعويض المالي من قبل المنظمات الدولية أو الدعم من قبل الجهات الحكومية على شكل منح أو قرض حسن أو تمويل.

صاحب المصنع بات يدير الآلة!

ربما تكون التفاصيل الحياتية الصغيرة هي الأكثر تعبيراً عن حجم المأساة، إذ كشف رئيس غرفة صناعة حلب نزيف العمالة الماهرة حيث لجأت معامل عديدة إلى صرف عمالها، ليتحول صاحب المعمل بنفسه إلى مشغل للآلة، وبالتالي تقليص للنفقات وتبديد لرأس المال البشري واستثمار الخبرة الفنية لصاحب المصنع التي تراكمت لعقود.

وأضاف رئيس غرفة صناعة حلب إن المرحلة الحالة ليست مرحلة تعاف صناعي حقيقي بل تشغيل بالحد الأدنى «وهم الإنتاج»، مبيناً أن هناك حالة من «إثبات الوجود» تسيطر على المشهد، فوجود معامل تعمل بـ 3 أو ٤ آلات من أصل 10، ولمدة 10 أيام فقط في الشهر، تبين أن الغاية ليست الربح، بل مجرد إبقاء الروح في الجسد الصناعي للمدينة، والحيلولة دون إغلاق تام.

وعلى الرغم من الضغوط، يؤكد القاسم حقيقة لافتة: «لا يوجد معامل أغلقت أبوابها كلياً أو باعت آلاتها ورحلت»، مبيناً أن هذا الصمود وإن بدا يائساً، يحمل في طياته إيماناً عميقاً من الصناعي الحلبي بأن الغد قد يكون أفضل.

خريطة القطاعات المتفاوتة

انطلاقاً من الواجب أن نقرأ الواقع الصناعي في مدينة حلب بصورة أحادية، إذ لا تعاني جميع القطاعات من الألم ذاته، حيث يوضح رئيس غرفة صناعة حلب التمايز الحاد في الأداء فحالياً القطاعات الهندسية تتصدر المشهد بواقع جيد نسبياً، مستفيدة من حاجة السوق المحلية لقطع التبديل والتركيبات الفنية في ظل مرحلة إعادة الإعمار، أما الصناعات الغذائية فهي تعمل بالحد الأدنى من طاقتها، في محاولة لتغطية الطلب الأساسي دون القدرة على التوسع أو التصدير، في حين أن الصناعات النسيجية هي الأكثر تضرراً، حيث تواجه المنافسة الشرسة من المستورد المدعوم، إلى جانب ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج البتروكيميائية والخيوط المستوردة.

ضوء في نهاية النفق الاقتصادي

على الجانب المشرق من الصورة، يشير رئيس غرفة صناعة حلب إلى تحقيق تقدم ملموس في ملف كان يمثل صداماً مزمناً للاقتصاد السوري، ملف التهريب وضبط المعابر والمنافذ وصل إلى نسبة 90%، ما أدى بشكل تلقائي إلى انخفاض نسبة البضائع المهربة في الأسواق المحلية.

هذا الإنجاز اللوجستي يعد مكسباً لا يستهان به، بحسب تصريح القاسم مضيفاً إنه خطوة أولى حقيقية في طريق خلق بيئة تنافسية أكثر عدلاً. لكن التحدي الأكبر يبقى في ترجمة هذا الضبط إلى سياسات جمركية وتجارية تحمي الإنتاج المحلي من الإغراق النظامي.

حلب تصنع.. ولكن إلى متى؟

المشهد الصناعي في حلب اليوم يشبه عنق الزجاجة، هناك إرادة صلبة للبقاء من قبل الصناعي الذي رفض بيع آلاته ورحيله، وهناك حراك حكومي لإعادة هندسة الرسوم الجمركية، بالإضافة إلى وجود نجاح في خنق التهريب. لكن هذه العوامل الثلاثة لم تترجم بعد إلى تدفق حقيقي للسيولة في عروق المدينة الصناعية.

فما تحتاجه مدينة حلب “عاصمة الشمال” استراتيجية صناعية شاملة تعترف بأن اقتصاد السوق المفتوح يحتاج إلى قوة شرائية حقيقية للمواطن، وإلى آلية استيراد وتصدير مرنة، وإلى حماية حقيقية من الإغراق، وإلى إعادة تأهيل للمناطق الصناعية المتضررة.

وبالتالي فإن إنقاذ صناعة حلب هو واجب وطني. فالمدينة التي صنعت تاريخ سوريا الاقتصادي، لا يمكن للزمن أن يوقف مداخن معاملها بسهولة، لكنه بكل تأكيد، قد يخفت أصواتها إذا طال أمد الإهمال وفجوة التكلفة القاتلة.

Leave a Comment
آخر الأخبار