“عمريت بين الماضي والحاضر” في ثقافي طرطوس

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – ثناء عليان:

تُعد مدينة عمريت من أبرز المواقع الأثرية على الساحل السوري، إذ تختزن في أرضها تاريخاً يمتد لآلاف السنين، وتكشف آثارها ومعالمها المتنوعة عن دور حضاري مهم لعبته هذه المدينة في تاريخ شرق المتوسط.

سوريا بوابة التاريخ

عن عمريت وتاريخها وأهم ٱثارها ألقى الباحث الآثاري بسام وطفة محاضرة بعنوان “عمريت بين الماضي والحاضر” في المركز الثقافي بطرطوس، أشار فيها إلى أن سوريا كانت عبر العصور ملتقى القارات ومكان التقاء الحضارات والثقافات والمعتقدات، ومن هذا الإرث الحضاري برزت مدينة عمريت، إحدى أهم مدن الساحل الكنعاني الفينيقي، والتي شكلت امتداداً حضارياً مهماً لمملكة أرواد.

الموقع والتسمية

يوضح وطفة أن عمريت تقع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط مقابل جزيرة أرواد، على بعد نحو سبعة كيلومترات جنوب مدينة طرطوس، ويخترقها نهر صغير المعروف باسم نهر عمريت أو مارتياس، وتمتد المدينة على مساحة واسعة تزيد على ستة كيلومترات، وقد وصفها المؤرخ أريان بأنها المدينة الرئيسية في القسم القاري من مملكة أرواد.


عُرفت عبر التاريخ بعدة أسماء، فالاسم الكنعاني القديم هو “عمريت” أو “أمريت”، وقد ورد في نصوص الفرعون تحوتمس الثالث باسم “قرط عمروت”. وفي العصر الهلنستي عُرفت باسم “ماراتوس”، وهو الاسم الذي ذكره المؤرخ أريانوس عند حديثه عن زمن الإسكندر الأكبر، حيث اشتهرت آنذاك كمدينة فينيقية غنية ومزدهرة، كما ورد اسمها في النصوص المصرية ضمن أربع عشرة مدينة فينيقية أخرى.

الجذور التاريخية

كان موقع عمريت –حسب وطفة- مأهولاً منذ العصر الحجري القديم، حيث عُثر في محيطها على أدوات صوانية وفؤوس حجرية تدل على استيطان بشري مبكر، كما كشفت التنقيبات الأثرية في تل عمريت قرب المعبد أن المدينة تأسست في العصر الأموري في نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد، خضعت عمريت في مراحل طويلة لسلطة مملكة أرواد، وشكلت معها حلفاً ضم عدداً من المدن الساحلية مثل بالتوس وبالانيا وكارنا، قبل أن تنضم إليه لاحقاً مدينتا جبلة وسيميرا، وكانت تمثل الامتداد البري للأرواديين، حيث أقاموا فيها مستودعاتهم ومساكنهم ومصانعهم ومدافنهم.
وبيّن وطفة أن عمريت تحررت من سلطة أرواد في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، ثم خضعت مع أرواد للسيطرة السلوقية في العصر الهلنستي، وقد أدى الصراع مع البطالمة إلى فقدان ماراتوس حق إصدار النقود الفضية، لتكتفي بإصدار عملات برونزية محلية، مشيراً إلى أن بعض أقدم نقودها حملت صورة الإسكندر الأكبر على عملات التيترا دراخما الفضية، كما ظهرت نقود شبه إسكندرانية في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، واستمرت الإصدارات البرونزية حتى نهاية القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً، وكانت تحمل نقوشاً فينيقية. كما أصدرت المدينة مسكوكات فضية مستقلة في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد قبل أن تتوقف إصداراتها النقدية لاحقاً، وهو ما يرجح ارتباطه بتراجع المدينة أو هجرها.
يشير وطفة إلى أن عمريت تضم مجموعة مميزة من المعالم الأثرية التي انتقلت بعض مكتشفاتها إلى متاحف عالمية، مثل متحف اللوفر في فرنسا، والمتحف الوطني في دمشق، ومتحف طرطوس، إضافة إلى متحف بيروت.
ويعد معبد عمريت أبرز هذه المعالم، إذ يعود تاريخه إلى القرنين الخامس أو الرابع قبل الميلاد ويجمع في طرازه المعماري بين التأثيرات الشرقية واليونانية، كما تضم أيضاً واحداً من أقدم الملاعب المعروفة في العالم القديم، وقد كشف عنه الباحث الفرنسي إرنست رينان خلال حفرياته في القرن التاسع عشر، الملعب محفور في الصخر الطبيعي ويأخذ في قسمه الشرقي شكل حدوة الحصان، ويبلغ عرضه نحو ثلاثين متراً بينما يتجاوز طوله مئتي متر، ويتسع لنحو أحد عشر ألف متفرج.

المدافن والمنشآت الجنائزية

وتوقف وطفة عند المدافن الصخرية الشهيرة في عمريت والمعروفة بالمغازل، وهي مدافن شاهقة يعتقد أنها تعود لملوك أرواد أو لطبقة النخبة في المجتمع الفينيقي، تتنوع أشكالها بين الهرمي والقببي والمكعب، ويصل ارتفاع بعضها إلى نحو عشرة أمتار، وقد زينت بعض واجهاتها بمنحوتات لأسود جاثية، كما أشار إلى مدافن عازار الواقعة غرب المحطة الإذاعية، والتي تضم عدداً كبيراً من القبور الفردية والجماعية متعددة الطوابق.
سُجل الموقع أثرياً للمرة الأولى عام 1959، ثم جرى تسجيله بالكامل كموقع أثري عام 1988، قبل أن يصدر قرار عام 2005 بتوسيع حدود المنطقة الأثرية بهدف حمايتها والحفاظ على معالمها التاريخية.

خاتمة

يختتم وطفة حديثه بالتأكيد على أن مدينة عمريت لاتزال تكشف يوماً بعد يوم صفحات جديدة من تاريخها العريق، إذ تبقى آثارها شاهدة على حضارة ازدهرت على شاطئ المتوسط قبل آلاف السنين، وعلى الرغم مما تعرض له الموقع من أضرار عبر الزمن، فإن معالمه لاتزال تبهر الزائرين بتنوعها وضخامتها.
وتشير تقارير اليونسكو إلى أن مدينتي عمريت وأرواد تعدان من أهم المواقع الأثرية في منطقة البحر المتوسط، ما يمنح عمريت فرصة حقيقية للانضمام إلى قائمة التراث العالمي، ويعزز أهمية الحفاظ على هذا الإرث الحضاري الفريد.

Leave a Comment
آخر الأخبار