الكرامة في مرمى الكاميرا.. عندما تتصادم الدعاية والتسويق مع القانون

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية- إلهام عثمان:
شهدت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً تزايداً لافتاً في المحتوى الدعائي الذي يتجاوز بعضه المألوف، ليلامس أحياناً مشاهد العنف أو التصرفات المستفزة، فبين مشهد ضرب موظف أمام الكاميرا، أو تكسير أوانٍ، أو حرق ملابس، تتجلى ظاهرة تسعى لحصد المشاهدات السريعة بهدف الدعاية والتسويق، قد يرى البعض تلك الممارسات مجرد دعاية خفيفة ولفت نظر، ومن منظور آخر قد يراها البعض أنها
استفزازية وهدر للكرامة، ومن هذه النقطة تبرز تساؤلات حول أخلاقيات المحتوى الرقمي وحدود المسؤولية، فهل يمكن أن تكون الشهرة والمكاسب المادية مبرراً لتجاوز هذه الخطوط الحمراء، وهل تملك الموافقة الظاهرية للضحية القدرة على تحصين الفاعل من المساءلة القانونية؟

تباين آراء

في استطلاع أجرته “الحرية”، تباينت آراء المتابعين؛ فبينما يرى البعض أن العنف لا يمكن أن يكون دعاية وأن القانون يجب أن يحمي العمال من الاستغلال، يرى آخرون تحت مسمى “ساير لتعيش” وأن هناك مبالغة في تجريم بعض التصرفات الدعائية، والحل في المقاطعة الشعبية والتي قد تكون رادعاً كافياً، بينما هناك توجه ثالث يدعو إلى التركيز على حماية العمال بشكل فعال بدلاً من ملاحقة كل فيديو صادم.

الجهل ليس عذراً

لمعرفة رأي القانون، التقت “الحرية” المحامي لؤي أبو دقة، المتخصص في القانون الجنائي وقانون الأحوال الشخصية، والذي أكد أن ما يمارسه بعض التجار أو غيرهم اليوم تحت مسمى الدعاية الخفيفة، يكشف عن جهل خطير بالمنظومة القانونية.
موضحاً أن قانون الأحوال الشخصية السوري، الذي يستند إلى المرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953 وتعديلاته المستمرة، لا يتقاطع مباشرة مع قضايا الدعاية والعنف، كونه ينظم مسائل الزواج والطلاق والحضانة والنفقة، ومع ذلك، يظل المبدأ القانوني الراسخ الذي لا خلاف عليه هو أن الجهل بالقانون لا يُسقط المسؤولية، ما يعني أن الفاعل لا يمكنه التذرع بعدم معرفته بالنصوص القانونية.

أبو دقة: المبدأ القانوني الراسخ الذي لا خلاف عليه هو أن الجهل بالقانون لا يُسقط المسؤولية

وهم الحماية القانونية

يتابع أبو دقة موضحاً أن تصوير شخص وهو يضرب موظفاً، حتى لو كان ذلك بموافقة خطية أو شفهية منه، لا يكفي لحماية الفاعل قانونياً، فإذا ثبت أن الفيديو يعكس واقعة حقيقية وليست تمثيلاً فنياً معلناً، فإن هذا الفعل قد يشكل جريمة اعتداء بموجب قانون العقوبات السوري، وتحديداً المواد 540-543 التي تجرم الضرب والإيذاء الجسدي، ويشدد القانون على أن موافقة الضحية على الإيذاء الجسدي لا تعد سبباً لإباحة الفعل، فالحق في السلامة الجسدية من الحقوق التي لا يجوز التنازل عنها، وهو مبدأ من النظام العام لا يمكن للأفراد الاتفاق على مخالفته.

للقانون صوته

أما فيما يخص تهمة الاتجار بالأشخاص، فيرى أبو دقة أنها تتطلب عنصراً إضافياً يتمثل في الاستغلال بقصد تحقيق منفعة مادية أو معنوية، وهذا العنصر قد يتوفر بوضوح إذا كان الهدف من الفيديو تحقيق أرباح تجارية من خلال استغلال شخص في عمل غير مشروع، ويُعد تطبيق تهمة الاتجار بالأشخاص على مثل هذه الفيديوهات الدعائية توسعاً في التفسير، لكنه يستند إلى أساس نصي قوي في المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010، الذي يهدف إلى مكافحة هذه الجريمة بكافة أشكالها.
ويشير أبو دقة إلى أن المادة (4) من المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010 تعرّف جريمة الاتجار بالأشخاص بأنها استدراج أشخاص أو نقلهم أو اختطافهم أو ترحيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم لاستخدامهم في أعمال أو لغايات غير مشروعة مقابل كسب مادي أو معنوي أو وعد به أو بمنح مزايا أو سعياً لتحقيق أي من ذلك أو غيره.
والأهم من ذلك، تؤكد المادة (4) الفقرة (3) من ذات المرسوم على مبدأ حاسم: لا يعتد بموافقة الضحية في حال ثبوت عنصر الاستغلال، ما يزيل أي حجة قانونية قد يستند إليها الفاعل.

أبو دقة: موافقة الضحية على الإيذاء الجسدي لا تعد سبباً لإباحة الفعل.. فالحق في السلامة الجسدية من الحقوق التي لا يجوز التنازل عنها

عقوبات رادعة

أما في السياق السوري، فإن العقوبات المقررة بموجب المرسوم 3 لعام 2010 لجرائم الاتجار بالأشخاص هي أشد بكثير ما قد يتصوره البعض، هذا ما بينه أبو دقة، لافتاً إلى أن العقوبة الأساسية، وفق المادة (7)، هي الاعتقال المؤقت لمدة لا تقل عن سبع سنوات، بالإضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين 1 و3 ملايين ليرة سورية، وقد تصل العقوبة إلى السجن المؤبد في حالات التشديد، كحالات الخطف أو وجود قاصرين أو ارتكاب الجريمة ضمن جماعة إجرامية منظمة، أما عقوبة الحبس من 6 أشهر إلى سنتين مع غرامة مالية، فهي تخص جرائم ملحقة مثل عدم الإبلاغ عن واقعة الاتجار أو الانتفاع من خدمات الضحية مع العلم بها، وذلك وفق المادة (9) من المرسوم نفسه.
وهنا يحذر أبو دقة المستفيدين والمؤثرين عبر تلك الفيديوهات من تجاوز حدود الكرامة الإنسانية في محتواهم الدعائي، مبيناً أن الدستور السوري، في مادته 42، يحمي حرية التعبير، لكن هذه الحماية لا تمتد لتشمل الاعتداء على الجسد أو الكرامة تحت أي مسمى، بل إن القانون يجرّم هذه الأفعال ويعاقب عليها بصرامة.

حالات إقليمية

لتوضيح مدى جدية هذه الجرائم، هناك حالات مشابهة في الدول الجوار، حيث سبق أن أحالت النيابة العامة في مصر عدة مؤثرين إلى المحاكمة بتهم تتعلق بإذلال وإهانة العاملين في فيديوهات دعائية، ومن أسباب الاعتقال الشائعة ترويج المخدرات كما في حملات تركيا، ولتحريض على العنف من قبل مؤثرين في الجزائر وفي فرنسا، بالإضافة لآخرين في قضايا إلكترونية، وهو ما يعكس توجهاً إقليمياً نحو التصدي لمثل هذه الممارسات.

عندما تسقط شرعية الرضا

من جانب آخر، يستعرض أبو دقة حالتين توضحان كيف يمكن للموافقة الظاهرية أن تكون “مشبوهة” وغير معتبرة قانوناً، ففي الحالة الأولى، إذا وافق موظف على تصوير مشهد ضرب مقابل مكافأة مالية، ثم تعرض للطرد دون الحصول على مستحقاته، فإن القانون ينظر إلى هذه الموافقة على أنها غير حرة بسبب الإكراه الاقتصادي، وهذا المفهوم معترف به في القانون المدني السوري (المواد 128-130) كعيب من عيوب الإرادة يبطل الرضا، حيث يتم استغلال الحاجة المادية للشخص لإجباره على قبول شروط مجحفة أو أفعال مهينة.
أما الحالة الثانية، فتتعلق بصاحب محل يكسر بضاعته أمام الكاميرا بطريقة مستفزة، ما قد يعرضه للمساءلة في حال إتلاف ممتلكات عامة أو خاصة دون مبرر قانوني.

رهان خاسر

وفي السياق ذاته، ترى الخبيرة في الإعلام الرقمي أسماء يوسف، أن اللجوء إلى العنف في المحتوى الدعائي هو رهان خاسر على المدى البعيد، موضحة أن الصدمات البصرية تفقد التاجر مصداقيته، وأن الدراسات الحديثة في التسويق الرقمي تبين أن 77% من المستهلكين يتجنبون التعامل مع العلامات التجارية التي ترتبط بمحتوى مسيء أو عنيف، وأن الانتشار السريع الذي يحققه هذا النوع من الفيديوهات يتحول خلال أسابيع قليلة إلى سمعة سلبية يصعب إصلاحها، وتضيف: السوق السورية اليوم بحاجة إلى بناء ثقة حقيقية مع المستهلك وليس لعكس.

يوسف: العنف في المحتوى الدعائي هو رهان خاسر على المدى البعيد

الكرامة الإنسانية

يختم أبو دقة حديثه بأن القانون السوري لم يترك أي ثغرة لمن يحاول المتاجرة بالكرامة الإنسانية تحت ستار الدعاية، وما يبدو دعاية خفيفة قد يتحول في حقيقة الأمر إلى جريمة واضحة المعالم، تترتب عليها عواقب قانونية وخيمة، وحماية الأفراد وكرامتهم وسلامتهم الجسدية هي مبادئ عليا لا يمكن المساومة عليها، وأن تكون الكرامة في مرمى الكاميرا، عندما تتصادم الدعاية والتسويق مع القانون.

Leave a Comment
آخر الأخبار