الحرية– آلاء هشام عقدة:
لم تعد استعادة السيطرة الكاملة على مناطق شمال شرق سوريا حدثاً سياسياً أو أمنياً معزولاً، بل تحوّلت إلى نقطة انعطاف اقتصادية مفصلية، تعيد رسم خريطة الثروة والسيادة والتنمية في البلاد، فعودة هذه المنطقة إلى كنف الدولة تعني، عمليًا استعادة أهم أعمدة الاقتصاد الوطني النفط، والغاز والسلة الغذائية، بعد سنوات من الهدر والنهب والتعطيل.
هذه الخطوة التي تحققت بفضل إدارة سياسية، اعتمدت الصبر الاستراتيجي والقراءة العميقة لموازين القوة، فتحت الباب أمام سؤال اقتصادي ضاغط هل تُدار الثروة الوطنية هذه المرة كمدخل حقيقي للتنمية، أم يُعاد تدويرها كإيرادات دون أثر معيشي؟
النفط والغاز من اقتصاد مفقود إلى رافعة
إعادة الإعمار
تشكل مناطق شمال شرق سوريا الخزان النفطي والغازي الأهم في البلاد، إذ تُقدّر طاقتها الإنتاجية في الظروف المثلى بنحو 400 ألف برميل نفط يوميًا، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي القادر على إحداث تحوّل جذري في ملف الطاقة.
اقتصاديًا تعني عودة هذه الموارد إلى إدارة الدولة، انتقال الإيرادات من اقتصاد الظل إلى الموازنة العامة، بما يخفف العجز المالي، ويعيد ترتيب أولويات الإنفاق، ويوفر مصادر تمويل مستقرة لملفات إعادة الإعمار، وتحسين الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي عبد الله أوبان أن استعادة الثروات الطاقية ليست مكسبًا ماليًا فقط، بل مدخل لإعادة هيكلة الاقتصاد، موضحاً أن «عودة النفط والغاز إلى الدورة الاقتصادية الرسمية تمنح الدولة أدوات حقيقية للتحكم بالسياسات المالية والنقدية، وتخفف الضغط عن العملة الوطنية، وتعيد بناء الثقة بالاقتصاد المحلي، شرط توجيه هذه الموارد نحو الإنتاج لا الاستهلاك».
ويؤكد أوبان أن الأثر الأهم سيكون في خفض تكلفة الإنتاج الصناعي والزراعي، ما ينعكس تدريجياً على الأسعار، وفرص العمل، والدخل الحقيقي للمواطن، في حال تم ربط ملف الطاقة بخطط تنموية واضحة.
السلة الغذائية
إلى جانب الطاقة، تمثل استعادة السلة الغذائية السورية مكسبًا استراتيجياً لا يقل أهمية، فهذه المنطقة تضم ملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة، وكانت قبل الأزمة تنتج ملايين الأطنان من القمح والشعير والقطن والبقوليات وبنجر السكر، ما جعل سوريا دولة مكتفية غذائياً وقادرة على التصدير.
عودة هذه الأراضي إلى إدارة الدولة تعني إعادة الاعتبار للقطاع الزراعي كقاطرة تنمية، وزيادة مساهمته في الناتج المحلي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية، وهو ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي، واستقرار السوق، وحماية القرار الوطني من ضغوط “المعونات” الخارجية.
ويشير أوبان إلى أن الاستقلال الغذائي ليس ملفاً زراعياً فقط، بل قرار سيادي بامتياز، لأن الدولة التي تنتج غذاءها تملك هامشاً أوسع في خياراتها السياسية والاقتصادية، وتتحرر من الابتزاز الخارجي.
اختبار العدالة الاجتماعية
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التحول لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بقدرة الدولة على ترجمة هذه الموارد إلى تحسن ملموس في معيشة السوريين، بعد سنوات من التآكل المعيشي واتساع الفجوة الاجتماعية.
فالتحدي اليوم لا يكمن في امتلاك الثروة، بل في كيفية إدارتها، فهل ستُضخ في مشاريع إنتاجية تولّد فرص عمل؟
أو ستُستخدم لتحسين الأجور والخدمات؟ وهل ستصل آثارها إلى المناطق التي عانت طويلًا من التهميش؟
إنصاف الإنسان
يتجاوز هذا الإنجاز بعده الاقتصادي إلى بعد اجتماعي ووطني عميق، يتمثل في إنصاف أبناء هذه المنطقة، الذين عانوا لعقود من سياسات التمييز ومصادرة الحقوق الثقافية والاجتماعية في ظل النظام البائد، فاستعادة الحقوق الكاملة في المواطنة والانتماء، وتعزيز وحدة النسيج الاجتماعي، تمثل شرطًا أساسياً لنجاح أي مشروع إعادة إعمار مستدام.
تحت ضغط الواقع
إن استعادة الثروات الوطنية في شمال شرق سوريا تمثل فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس سيادية وإنتاجية وعدالة اجتماعية، لكنها في الوقت ذاته تضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: إما تحويل هذه الثروة إلى تنمية شاملة يشعر بها المواطن، أو تركها تتحول إلى أرقام في التقارير دون أثر في الحياة اليومية.
وبين الفرصة والاختبار، يبقى الرهان الأكبر على إدارة رشيدة للثروة، تُعيد لسوريا دورها الاقتصادي الإقليمي، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: السيادة، الاكتفاء الذاتي، والكرامة المعيشية.