عودة الجزيرة إلى الاقتصاد السوري فرصة حقيقية مشروطة بإعادة التأهيل وتوفير الاستثمارات

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – آلاء هشام عقدة:

تشكل عودة مناطق الجزيرة السورية، التي تضم محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، إلى الدورة الاقتصادية للدولة تطوراً اقتصادياً مهماً، نظراً لما تختزنه هذه المنطقة من موارد طاقية وزراعية تشكل ركائز أساسية للاقتصاد الوطني، وما يمكن أن يترتب على ذلك من انعكاسات على الإنتاج والخدمات والواقع المعيشي.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور ذو الفقار عبود، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، إن عودة الجزيرة إلى الاقتصاد السوري تعني «استعادة الدولة لأهم مواردها الاقتصادية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والزراعة، بما يعادل نحو 31% من مساحة البلاد، وهو ما ينعكس على مستوى الاقتصاد الكلي من خلال توفير الموارد المحلية، وخفض تكاليف الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الاستيراد».

ويضيف عبود إن هذه العودة تفتح المجال أمام تحسن تدريجي في مستوى الخدمات، وخاصة الكهرباء، إلى جانب تحسن توفر المشتقات النفطية والسلع الأساسية، مؤكداً أن الأثر المعيشي لن يكون فورياً، بل مرتبطاً بسرعة إعادة التأهيل وحجم الاستثمار وكفاءة الإدارة.

قطاع الطاقة في المقدمة

وتبرز أهمية الجزيرة بشكل خاص في قطاع الطاقة، إذ تضم المنطقة نحو 14 حقلاً للنفط والغاز. ووفق عبود، فإن إعادة تشغيل هذه الحقول من شأنها أن «تخفف التقنين الكهربائي وتوفر الوقود اللازم لمحطات التوليد والقطاعات الإنتاجية»، إلا أن ذلك يبقى مشروطاً بإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وتقادم المعدات نتيجة سنوات الحرب.

ويشير إلى أن ملف الغاز يمثل أولوية خاصة، لكونه يشكل أساس الاستقرار الكهربائي، ما يجعل إصلاح حقول الغاز خطوة مركزية في أي مسار لتحسين الخدمات.

الزراعة والأمن الغذائي

وفي المرتبة الثانية، يأتي القطاع الزراعي، حيث تعد مناطق الجزيرة السلة الغذائية الأساسية لسوريا. ويبيّن عبود أن عودة الأراضي الخصبة إلى الإنتاج المنظم تسهم في زيادة إنتاج القمح والقطن والشعير، وتعزز الأمن الغذائي، وتخفف من فاتورة الاستيراد، لكنه يشدد على أن هذا الدور يتطلب تأمين مستلزمات الإنتاج وإعادة تأهيل شبكات الري والسدود.

أما القطاع الصناعي، فيتأثر بعودة الجزيرة بصورة غير مباشرة، من خلال تحسن توفر الوقود والمواد الأولية، ما يدعم الصناعات الغذائية والتحويلية، ويرفع كفاءتها التشغيلية، دون أن يعني ذلك حدوث طفرة صناعية سريعة في ظل التحديات القائمة.

الأثر المعيشي… دون تهويل

وعلى المستوى المعيشي، يوضح عبود أن زيادة العرض من المنتجات النفطية والزراعية قد تفتح المجال أمام استقرار نسبي في الأسعار، وتحسن تدريجي في الدخل وفرص العمل، إضافة إلى زيادة القدرة الإنفاقية للدولة، إلا أن هذه النتائج تبقى «مرتبطة بزمن التنفيذ وكفاءة الإدارة الاقتصادية».

تحديات لا يمكن تجاوزها بالتصريحات

في المقابل، يلفت عبود إلى أن الطريق نحو الاستفادة الكاملة من موارد الجزيرة يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الدمار الواسع في البنية التحتية، وتقادم معدات حقول النفط، وتهالك بعض السدود نتيجة ضعف الصيانة، إضافة إلى تحديات لوجستية تتعلق بربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك.

كما تبرز الحاجة إلى إدارة اقتصادية متخصصة، وقاعدة بيانات وطنية متكاملة، تتيح التخطيط السليم لاستثمار الموارد، وتفادي الهدر، وضمان توجيه الإنتاج وفق الأولويات الوطنية.

أولويات المرحلة المقبلة

ويرى عبود أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة هيكلة القطاعات الإنتاجية، مع إعطاء أولوية لإصلاح حقول الغاز، إلى جانب إعادة إطلاق البحث والاستكشاف في مناطق الاحتياطات الطاقية، التي تشير الدراسات إلى امتلاكها مخزوناً غازياً واعداً يمكن أن يشكل داعماً مهماً للاقتصاد السوري على المدى المتوسط.

وتبقى عودة مناطق الجزيرة، وفق هذه القراءة، فرصة اقتصادية حقيقية، لكنها تظل مشروطة بإعادة التأهيل، وتوفير الاستثمارات، واعتماد إدارة رشيدة قادرة على تحويل الموارد المتاحة إلى أثر اقتصادي ملموس ومستدام.

Leave a Comment
آخر الأخبار