الحرية ـ صالح صلاح العمر:
ليست الوظيفة مجرد مصدر رزق فقط، بل هي كرامة واستقرار وانتماء، وعندما يُفصل موظف من عمله بسبب موقف سياسي أو رأي عبّر عنه في لحظة معينة، فإن الخسارة لا تكون مهنية فحسب، بل إنسانية ووطنية أيضاً.
ومن هنا، فإن إعادة المفصولين (المنشقين) إلى وظائفهم ممن وقفوا مع الثورة السورية المباركة تمثل خطوة ضرورية في مسار العدالة والمصالحة وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لقد مرت على سوريا الأم سنوات عجاف انقسم فيها الناس بين مؤيد ومعارض، وغلبت لغة التخوين والإقصاء على لغة الحوار، كثيرون دفعوا ثمن مواقفهم، وظائفهم ومصدر رزقهم، ليس لقصور مهني أو إخلال وظيفي، بل بسبب رأي والوقوف إلى جانب المظلوم ضد الطاغية.
واليوم بعد كل ما مرّ على الشعب السوري من تهجير ونزوح وأحزان تُدمي القلوب، يُصبح من المشروع أن نطرح سؤالاً بسيطاً: أليس من حق هؤلاء المفصولين أن يعودوا إلى وظائفهم ويعيشوا حياة كريمة؟
لماذا يُنظر إليهم كأنهم موظفون من الدرجة الثانية؟
إن إعادة المفصولين ليست مِنّة من أحد، بل استحقاق قانوني وأخلاقي، فالدولة التي تسعى إلى الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن تبنيه على إقصاء شريحة من مواطنيها، العدالة الانتقالية لا تعني فقط محاسبة المجرمين الملطخة أيديهم بدماء الأبرياء من الشعب السوري، بل أيضاً هي جبر خاطر وإنصاف من تضرروا بسبب مواقفهم أو قناعاتهم التي ثبتوا عليها.
العدالة الانتقالية، بمفهومها الأوسع، لا تعني الإقصاء الجماعي، ولا تعني كذلك العفو المفتوح إنها عملية تدقيق وتمييز، من شارك بالفساد أو الدم لا يمكن أن يعود إلى عمله بل محاسبته هو الحل الأمثل، أما من دفع ثمن موقفه، فإن إنصافه واجب على الدولة.
لكن المسألة لا تقف عند حدود القانون هناك جانب إداري لا يقل تعقيداً وأهمية: ماذا عن الأقدمية؟ ماذا عن الترقيات التي فاتتهم؟ ماذا عن أجور السنوات التي قضوها خارج الوظيفة؟ هذه أسئلة تحتاج إلى حلول عملية سريعة ولا تخلق مظالم جديدة باسم تصحيح مظالم قديمة.
اقتصادياً، تحتاج البلاد إلى كل خبرة وكفاءة، كثير من المفصولين كانوا من أصحاب الخبرات الطويلة في التعليم والصحة والهندسة والإدارة والسلك الدبلوماسي والإعلام، خسارة هذه الطاقات أضعفت المؤسسات، وإعادتهم تعني استعادة جزء من الخبرة المتراكمة التي لا تعوّض بسهولة، أما اجتماعياً، فإن قراراً شجاعاً بإعادتهم سيبعث برسالة تهدئة مفادها أن الوطن يتسع للجميع، وأن الاختلاف في الرأي لا يلغي حق المواطنة، بل هو ظاهرة حضارية في المجتمعات الراقية.
المجتمعات التي خرجت من أزمات كبرى تعلمت درساً مهماً: لا مستقبل من دون مصالحة، ولا مصالحة من دون إعطاء الحقوق لأهلها، وإعادة المفصولين إلى وظائفهم خطوة عملية في الطريق الصحيح.
ومن باب الإنصاف هناك من عاد إلى عمله من المفصولين (المنشقين عن النظام البائد) وعددهم قليل، ولكن بعد معاناة طويلة من روتين مُمِل وتواقيع وموافقات لها أول وليس لها آخر، وتجربتي تقول إن رحلتي في العودة إلى الوظيفة بدأت في الشهر الثالث من العام الماضي وانتهت وباشرت في العمل بتاريخ 18/1/2026 تصور يارعاك الله؟
إن إعادة المفصولين (المنشقين) إلى وظائفهم، وفق معايير واضحة وعادلة، ليست فقط إنصافاً لأفراد، بل رسالة سياسية وأخلاقية مفادها أن الدولة السورية الجديدة تُبنى بالقانون، لا بالثأر، وبالمؤسسات، لا بردود الأفعال.
عودة المفصولين إلى عملهم.. منة أم استحقاق؟
Leave a Comment
Leave a Comment