غرفة تجارة دمشق: مئتا عام من العطاء.. ذاكرة وطن ونهضة اقتصاد

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

 الحرية- إلهام عثمان: 

في قلب دمشق القديمة، حيث تلتقي أحجار سوق الحميدية برائحة التوابل ووقع الأقدام، هناك جدران لا تنسى. جدران غرفة تجارة دمشق التي شهدت ولادة اقتصاد وطن، واحتضنت أحلام برجوازية وطنية آمنت بأن بناء الدولة يبدأ من حرية المبادرة. لكن التاريخ ليس دائماً يسير على مهل؛ ففي زمن الستينيات، وجدت الغرفة نفسها أمام اختبار صعب. قالت كلمتها، ثم صمتت بأمر. لكنها لم تمت. لأن جذورها تمتد إلى عام 1830، حيث كانت أول غرفة تجارة في المنطقة العربية.

تحريك عجلة الإنتاج

في حوار خاص مع صحيفة “الحرية”، لم يقدم الدكتور عامر خربوطلي، مدير عام غرفة تجارة دمشق، وقائع تاريخية فحسب، بل استحضر رؤية مؤسسة عريقة للاقتصاد الوطني، إذ بيّن خربوطلي أن غرفة تجارة دمشق كانت تمثل مصالح الطبقة البرجوازية التجارية الوطنية التي قامت نهضة سورية الاقتصادية بعد الاستقلال على أكتافها.

موضحاً أن هذه الطبقة لعبت دوراً محورياً في تحريك عجلة الإنتاج والتجارة في مرحلة ما بعد الاستقلال، وأسهمت في فتح أسواق عربية ودولية للمنتج السوري.

منتصف الستينات

كما استعرض خربوطلي تفاصيل مرحلة شهدت توتراً بين رؤية الغرفة وسياسات التأميم والمصادرة التي طُبقت في منتصف الستينيات. وأوضح: “لأنها عارضت وبوضوح مراسيم التأميم والمصادرة، ولأنها دعمت إضراب التجار في منتصف الستينيات، فقد عوقبت بتجميد عملها وتم تعيين مجلس إدارتها تعييناً دون أي انتخابات من الفترة 1965 وحتى مطلع السبعينيات.

أول مجلة اقتصادية

وبحسب خربوطلي، فقد كانت الغرفة خلال تلك الفترة “شبه مجمدة”، وتوقفت نشرتها الاقتصادية التي انطلقت عام 1922 كأول مجلة اقتصادية في سوريا، واستمر توقفها من عام 1964 وحتى عام 1971.

ويضيف الدكتور خربوطلي: لقد دعمت الغرفة خلال فترة الستينيات الاحتجاجات التجارية في دمشق في وجه التأميم والمصادرة وتضييق الحريات، وحتى فتح محلات سوق الحميدية عنوة وبالقوة، والتي شارك أصحابها في هذه الاحتجاجات والإضرابات”.

من المهم الإشارة هنا إلى أن هذه المرحلة كانت جزءاً من سياق تاريخي معين، شهدته العديد من دول المنطقة، حيث سعت بعض الأنظمة إلى إعادة هيكلة الاقتصاد وفق رؤى مختلفة، وعلى المستوى الدولي، مثلاً، شهدت الهند في 1969 تأميماً واسعاً للبنوك قوبل بمقاطعة تجارية، وفي مصر بعد تأميم 1961 شهدت الغرف التجارية حالة مشابهة من الاحتقان.

شريك فاعل

ويختم الدكتور خربوطلي حديثه بتأكيد فخر الغرفة بتاريخها قائلاً: “يكفي لغرفة دمشق التي ستحتفل في عام 2030 بمرور مئتي عام على تأسيسها كأول غرفة تجارة في المنطقة العربية فخراً وشموخاً، إنها قالت كلمتها بجرأة في زمن القسوة والتضييق، ودفعت ثمن ذلك تجميداً وتحييداً عن المشاركة في الشأن الاقتصادي”.

واليوم، تعود غرفة تجارة دمشق لتؤدي دورها كشريك فاعل في مسيرة إعادة الإعمار والنهضة الاقتصادية، تحت مظلة قوانين تنظم العلاقة بين القطاعين العام والخاص، مستفيدة من دروس الماضي لبناء مستقبل أكثر توازناً.

وهنا نجد أن جدران غرفة تجارة دمشق لا تزال قائمة ولا تحمل ندوب الماضي كجراح، بل كشهادات حياة. في عام 2030، حين تمر مئتا سنة على تأسيسها، ستقرأ الأجيال القادمة أنها لم تكن مجرد مؤسسة خدمية، بل كانت مدرسة للجرأة الوطنية، وذاكرة حية لاقتصاد تعلم كيف يقوم بعد كل عثرة.

Leave a Comment
آخر الأخبار