فزعة إنسانية

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – علام العبد:

تتنوع الحالات المرضية والاجتماعية والاقتصادية التي تستدعي ” فزعة إنسانية” (تدخلاً عاجلاً للمساعدة) وقد بتنا نشاهدها بكثرة في مجتمعنا، لتشمل كبار السن المصابين بأمراض مزمنة وفاقدي القدرة على العمل، والعائلات التي فقدت معيلها، والمرضى الذين لا يملكون تكاليف العلاج، وضحايا الكوارث الطبيعية، والمشردين أو من هدمت منازلهم، حيث يحتاجون لدعم مادي، طبي، أو سكني عاجل.
ففي لحظات الشدّة والحاجة، حين يضيق الأفق وتغيب الحلول وتغلق الدروب في وجهك، تظهر معادن الرجال الكرام، وتسطع القيم الأصيلة التي لا تُعلَّم في المدارس ولا تُكتب في الكتب، بل تُورث في القلوب، ومن بين أجمل هذه القيم التي تجسّد هوية المجتمع السوري الذي يمتاز بها كثيراً تلبية نداء ” الفزعة “، تلك الروح التي لا تنتظر مقابلاً، ولا تسأل عن اسم أو نسب، بل تسابق الزمن لإنقاذ روح، أو ستر عثرة، أو تفريج كربة.
إن ما يقدمه أهالي مدينة دير عطية اليوم من صور مشرقة عن ” الفزعة” سواء من  رجال الأعمال والمغتربين أو من المؤسسات والجمعيات الخيرية ليست موقفاً عابراً، بل سلوك متجذّر، نراه في تفاصيل حياتنا اليومية، وحتى في أبسط المواقف التي نعيشها؛ مريض بحاجة لمساعدة لإجراء عملية جراحية، أسرة ضاقت بها الحال، أو إنسان احتاج يداً تمتد إليه بلا تردد.
في ديرعطية يمكن مشاهدة حالات إنسانية عديدة وبأم العين، خيرون يتبرعون لدعم طلاب العلم وآخرون يدعمون الأيتام الصغار والأسر الفقيرة، وغيرهم يتبرعون لإغاثة محتاج لا يعرفونه، لا دافع  لهم سوى النخوة، ولا محرك سوى إنسانيتهم. وكأن في داخل كل منهم صوتاً يقول: “فزعة… لا تترك أخاك وحده”.
هذه الروح لم تأتِ من فراغ، بل هي امتداد لقيم هذا الوطن وهذه المدينة ؛ قيم التعاون، والتكافل الاجتماعي، والشهامة، وحب الخير، وهي ذات القيم التي عزّزها الدين الإسلامي، وربّاها المجتمع، وغرسها الأهل في نفوس الأبناء، حتى أصبحت ” الفزعة” ثقافة عامة لا تقتصر على فئة دون أخرى.
والأجمل في فزعة أهالي ديرعطية أنها تؤمن بأن الأقربين أولى بالمعروف ولكنها لا تفرّق بين مواطن من أهل المدينة وبين ضيف وافد، ولا بين قريب وبعيد، فالإنسان أولاً، والحياة أغلى من كل اعتبار، ولذلك باتت هذه المشاهد مصدر فخر يتداوله الناس في كل مكان، ودليلاً حياً على أن هذا المجتمع ما زال حيّ الضمير، متماسك القيم.

إن “الفزعة” ليست مجرد بطولة لحظة، بل مسؤولية مجتمع، ورسالة أخلاق، وصورة مشرقة لوطن لا يترك أحداً خلفه. وكل “فزعة” تُسجّل، هي شهادة جديدة على أن الشهامة ما زالت تنبض في قلوب السوريين، وأن الخير في هذا البلد بخير.
تحية لكل يدٍ امتدت، ولكل قلبٍ بادر، ولكل سوري جعل من “الفزعة” أسلوباً لحياة أفضل.

Leave a Comment
آخر الأخبار