الحرية – حنان علي:
كُشف النقاب عن أول ترجمة عربية كاملة لأحد أهم أعمال الشاعر التشيلي الحائز على جائزة نوبل، بابلو نيرودا، وأكثرها تأملاً والذي حمل عنوان «فن الطيور» (Arte de Pájaros)جاءت الترجمة بفضل جهود الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي، كإضافة مهمة لمحبي شعر نيرودا ودارسي أدب أمريكا اللاتينية.
فضاء شعري مكثف
الديوان الصادر عام 1966، في تشيلي موطن نيرودا، يحمل رسومات لفنانين تشيليين مرموقين، قبل أن ينضم إلى الأعمال الكاملة وينتقل عبر الترجمة إلى آفاق لغوية متعددة، ويُعتبر منعطفاً حاسماً في مسيرة نيرودا الشعرية، فهو يُخلِّص قصيدته من ثقل الصوت الخطابي وينطلق نحو فضاء شعري مكثَّف، يلتقط فيه همس الطبيعة بكل دهشة، ولعل جولات نيرودا الربيعية على الساحل التشيلي برفقة زوجته ماتيلدا أوروتيا، ما أثرى حضور البحر والرياح وهجرات الطيور فشكلت العناصر البنائية في الصورة الشعرية.
طيور بين الحقيقة والخيال
ويتألف فن الطيور من ثلاثٍ وخمسين قصيدة موزعة على قسمين: يكرّس أولها لطيور حقيقية من البيئة التشيلية، فيما يتجه ثانيها نحو طيورٍ متخيلة، تُصاغ ضمن بنية لغزية تجعل من التسمية فعلاً شعرياً، وتتخلل الديوان ثلاث قصائد طوال تمنحه تماسكاً بنيوياً يجمع بين الجانبين: الوصفي والتأملي.
ترنيمات كونية
يفتتح نيرودا ديوانه بمشهد مهيب لهجرة الطيور بحركة تحمل في طياتها العاطفة والدقة مع صرامةِ القوانين الكونية، كأنها سهم مقدس:
زاويةٌ من الطيور
باتجاه
خط عرضٍ، من حديدٍ وثلجٍ،
تتقدّم دونما هوادةٍ
في نهجها المستقيم..
استقامةٌ ساغبةٌ
كسهمٍ مصوَّبٍ،
لجموعٍ سماويةٍ تشق طريقها
للتكاثر، مجبولةً
بحبٍ وهندسةٍ قاهرين…
كذلك يُصوّرُ الشاعرُ اندماج الطبيعة في كيانه، وسكونه، لتصير جزءاً من وعيه وجسده، فيصحو مع إيقاعِها الأبديّ:
المياه النهرية، أعرفها
وبسابغٍ من ماء العشق وترابه
انضوت في جسدي
الأصوات السرية للغابة
…
وحتى في إغفاءتي
أحيا ذلك الصمت الجهوري،
وأستيقظ، أو توقظني
أسراب طيور أبو منجل الهائلة، المتئدة،
وقد تمكّثت في حلمي.
وفي قصيدة “قُبّرة المروج حمراء الصدر” يسألُ عن جرح دائمٍ، كأنّه خطيئة لا تُغتفر، أو رمية صياد قاتلة.
لماذا تُريني كل يوم
قلبكِ الدامي؟
أي خطيئةٍ ترتدينها،
أي قبلةٍ من الدم لا تمّحى،
وأي رمية صيادٍ دهمتك؟
ويبتكر نيرودا طيوراً متخيّلة تُصاغ من الريش واللغة معاً، مثل “الطائر الهيروغليفي”:
متداخلٌ ريشه، ريشةً جنب أخرى،
يبسط جناحيه في ميادين العمل.
طائر المتاهة، طائر البر والبحر،
والألغاز…
وفي ختام الديوان، َيصِفُ الشاعرُ نفسَه كرحّالةٍ حرٍّ، منسجمٍ مع بساطة الطبيعة، يعيش بإيقاع الشمس والمطر من دون قيود.
شاعرٌ ريفيٌّ ومحبٌّ للطيور.
آتي وأذهب طائفاً العالم،
بلا عتاد،
أُصفّر، بلا هدف، حيثما ذهبت.
أستسلم
للشمس وحقيقتها،
وللمطر، ولغة قيثارته…
ولا بد من الإشارة إلى أن الترجمة العربية استندت إلى ترجمة وسيطة باللغة الإنجليزية، مع المراجعة المنهجية للنص الإسباني الأصلي، وقد أشرفت على هذه العملية الأديبة والأكاديمية المرموقة الدكتورة خديجة قضّوم، أستاذة اللغات الرومانسية وآداب أمريكا اللاتينية، حيث عملت على تدقيق الترجمة لضمان دقة المعنى والتقاط الخصوصيات البيئية والثقافية للنص، وتمّ بوجه خاص العناية بالأسماء المحلية والدلالات المرتبطة بطيور تشيلي ومنطقة باتاغونيا في أقصى أمريكا الجنوبية.
وفي الختام نذكر أن «فن الطيور» يفتح نافذة تأمّليةً نادرة على عالم نيرودا، حيث يحتفي الشاعر بانصهار الروحِ في كيان الطبيعة، هناك، يتحول الوجود إلى حوارٍ حميمٍ مع الشمس والمطر والطيور، في ترنيمة لغوية عابرة للقارات بنفسٍ لاتيني خالص.
صدر ديوان «فن الطيور» عن مجموعة كلمات للنشر بالشارقة.