الحرية – صالح صلاح العمر:
إن الثورة السورية العظيمة منذ انطلاقها في آذار 2011، كانت تمثل شرارة أمل لشعب عانى لعقود من القمع والاستبداد تحت حكم فاشي بكل معنى الكلمة، ومع مرور الوقت، حاول النظام البائد من خلال وسائل إعلامه وأذرعه الأمنية، تحويل الصورة إلى صراع طائفي، مستفيداً من التركيبة الاجتماعية المتنوعة لسوريا ، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الثورة السورية كانت ثورة حرية، لا تحمل في طياتها أي توجهات طائفية، في البداية، كانت مطالب الشعب السوري بسيطة ومشروعة: الحرية، العدالة، والمساواة. خرج المواطنون من مختلف الطوائف والمكونات في مظاهرات سلمية، رافعين شعارات تطالب بإصلاح النظام، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية للشعب السوري كله، في تنوعه العرقي والديني، كان يجمعه حلم واحد: الحرية من نظام استبدادي لا يميز بين المواطنين إلا على أساس الولاء السياسي.
جوبهت هذه المطالب السلمية بالقمع الوحشي من قبل النظام، ما أدى إلى تصاعد الاحتجاجات وتحولها إلى صراع مسلح في العديد من المناطق وخاصة مناطق الشمال السوري، ولكن رغم أن الثورة اتخذت أبعاداً عسكرية بعد ذلك، بقيت أهدافها الأساسية هي إسقاط النظام، لا الطائفة.
و في محاولته للبقاء في السلطة، سعى النظام البائد إلى تصوير الثورة على أنها صراع بين الطوائف، مروجاً لفكرة أن الثوار هم جماعات إرهابية تدعمها دول خارجية تهدف إلى تفكيك البلاد على أسس طائفية، هذا الخطاب الفاسد، الذي سعى النظام إلى نشره، كان جزءاً من استراتيجيته لإثارة الانقسامات داخل المجتمع السوري وإخفاء الحقيقة عن العالم.
لكن الثورة السورية لم تكن يوماً هكذا. فالشعب الذي خرج إلى الشوارع، من درعا إلى حمص إلى حلب وصولاً إلى إدلب الخضراء التي أصبحت إدلب الحمراء لكثرة الشهداء فيها، كان يتحدى الاستبداد بكل أشكاله، وليس من أجل أن يعيد تقسيم البلاد وفقاً لأسس طائفية، الشعب السوري كان يطالب بحريته من حكم أسرة حاكمة لا تهتم سوى بالحفاظ على مصالحها الخاصة، وفي هذه المناسبة العظيمة اتذكر القسيس غسان سلطانة المعروف بين الثوار باسمه الحركي (الخال) عندما عملنا معه مقابلة في عام 2013 في تلفزيون سوريا الغد في مصر الحبيبة قال كلام يُكتب بماء الذهب، معناه أن الثورة السورية العظيمة ثورة تريد حرية وليست ثورة طائفية كما يدعي هذا النظام الفاسد، إن تضحيات الشعب السوري والوثيقة التي رأها في الفاتيكان التي تقول إن خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإن الدِّين الحق هو دِّين الإسلام، جعلت الخال يدخل الإسلام، وكانت وصيته توزيع أملاكه على فقراء المسلمين ويدفن في مقابر المسلمين، بعد أيام قليلة من إعلان إسلامه انتقل الى رحمة الله، وكان الهال سبباً في تغير مجرى حياتي كلها.
الثورة السورية قد تُختصر في هذه المبادئ: الحرية، العدالة، والمساواة. تلك المبادئ التي تجاوزت الحواجز الطائفية، وأظهرت أن الشعب السوري لا يريد سوى دولة قانون، تُعترف فيها حقوق جميع المواطنين على أساس المواطنة وليس الطائفة، إن ما يجب التأكيد عليه اليوم هو أن الثورة السورية لم تكن طائفية في يوم من الأيام. ومع أن الحرب التي أعقبت اندلاع الثورة قد زرعت بذور الفتن الطائفية، فإن إرادة الشعب السوري في بناء وطن حر، وعادل تبقى أقوى من أي محاولة لتقسيمه.
سوريا التي نريدها هي تلك التي تستقبل الحرية من جميع شرائح المجتمع السوري ،حيث يكون كل مواطن سوري قادراً على العيش بكرامة وحرية بعيدًا عن أي نوع من الاستبداد أو التمييز. هي سوريا التي تتجاوز جراح الماضي وتبني غدًا أكثر عدالة ومساواة.
في ذكرى الثورة السورية العظيمة ، يجب أن نتذكر أنها ثورة حرية بالدرجة الأولى، ثورة شعب قدم أكثر من مليون شهيد وعشرات الملايين من المهجرين وعانى سنوات طويلة من الظلم والقمع، إنها ثورة يُحتذى بها وتسجل في كتب التاريخ الناصع البياض، لكي تُدرس في مدارس العالم بأكمله.