الحرية- رفاه نيوف :
في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، لم تعد الزيارات الرسمية تُقرأ بوصفها محطات بروتوكولية عابرة، بل كمؤشرات على تغيّر أعمق في أولويات الدول واتجاهاتها.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق دلالات تتجاوز الشكل الدبلوماسي، لتلامس جوهر التحولات الاقتصادية التي تسعى سوريا إلى ترسيخها في هذه المرحلة.
قراءة اقتصادية
الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال يرى أن هذه الزيارة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع، حيث تتجه سوريا نحو إعادة تعريف موقعها الاقتصادي بمرونة وبراغماتية. فالمعادلة اليوم لم تعد سياسية بقدر ما أصبحت اقتصادية بامتياز، مع تركيز واضح على إعادة تحريك عجلة الإنتاج وتأمين الاحتياجات الأساسية وجذب استثمارات حقيقية.
أولوية الاقتصاد
ويشير الدكتور رحال إلى أن دمشق تضع “الاقتصاد أولاً” كخيار عملي، لا كشعار. فالتحديات المرتبطة بالغذاء والطاقة والاستثمار باتت تتصدر المشهد، ما يجعل أي انفتاح خارجي فرصة لإعادة بناء أسس اقتصادية أكثر استدامة.
الأمن الغذائي
في هذا الإطار، يلفت الدكتور رحال إلى أن أوكرانيا تمثل شريكاً منطقياً في ملف الأمن الغذائي، كونها من أبرز الدول المنتجة للقمح عالمياً.
وبالنسبة لسوريا، فإن التعاون مع كييف لا يقتصر على تأمين مورد إضافي، بل يتعداه إلى تنويع مصادر الاستيراد، وتقليل المخاطر، والاستفادة من الخبرات الزراعية والتقنية، خاصة في ظل تحديات المناخ وتراجع الموارد.
الفوسفات والصناعة
أما في قطاع الفوسفات، فيوضح الدكتور رحال أن سوريا تمتلك مقومات مهمة لكنها لم تصل بعد إلى تحقيق القيمة المضافة الكاملة. ومن هنا، يمكن لشراكات ذكية أن تنقل هذا القطاع من تصدير المواد الخام إلى بناء صناعة متكاملة، حيث قد تلعب الخبرة الأوكرانية دوراً محورياً في تطوير سلاسل الإنتاج وتعزيز الكفاءة.
ملف الطاقة
وفيما يتعلق بالطاقة، يؤكد الدكتور رحال أن أوكرانيا قد لا تقدم حلولاً جذرية، لكنها تملك تجربة مهمة في إدارة الأزمات الطاقية. ويضيف أن التعاون في مجالات إعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين كفاءة الاستهلاك يمكن أن يشكل خطوة تدريجية لكنها مؤثرة، نظراً لانعكاس هذا القطاع على مختلف مفاصل الاقتصاد.
تحول في الذهنية
الأهم، بحسب الدكتور رحال، أن هذه الزيارة تعكس تحولاً في الذهنية السياسية والاقتصادية، حيث تتجه سوريا نحو ما يمكن تسميته “الحياد الإيجابي” القائم على تنويع الشراكات وتغليب المصالح الاقتصادية على الاصطفافات التقليدية.
في المحصلة يرى الدكتور رحال أن زيارة زيلينسكي تحمل دلالات تتجاوز اللحظة، وتشير إلى اتجاه جديد تتقاطع فيه السياسة مع الاقتصاد.