الحرية- سراب علي :
في ضوء بيان هيئة الاستثمار وتوضيحها أن الحديث يدور حول “نماذج إدارة حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص” لتحسين كفاءة المشافي الحكومية، تبرز التساؤلات حول الإطار القانوني الذي يسمح بشراكة خاصة دون فقدان الصفة العامة للمشفى، وكيفية ضمان حماية المواطن من ارتفاع التكاليف مع تحقيق عائد للمستثمر، وما التجارب الناجحة التي تجنب تضارب المصالح وتهميش الكادر الحكومي؟
يعكس توجهاً عملياً
هنا يؤكد الدكتور يحيى السيد عمر الباحث في الاقتصاد السياسي، أن الحديث عن نظام جديد لإدارة المستشفيات الحكومية لا يعني التوجه نحو “الخصخصة” بمفهومها التقليدي القائم على نقل الملكية، بل يعكس توجهاً عملياً نحو اعتماد نماذج إدارة حديثة تقوم على الشراكة مع القطاع الخاص، هذا الطرح يحاول تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة، وضمان تقديم خدمة طبية تليق بكرامة المواطن السوري، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها القطاع الصحي من نقص الموارد وضعف الكفاءة التشغيلية في بعض المرافق.
مشيراً في تصريحه لـ”الحرية”، إلى أن هذا التوجه يستند إلى قانون التشاركية رقم 5 لعام 2016، الذي يتيح للقطاع الخاص إدارة وتشغيل المرافق العامة العائدة للدولة مقابل عوائد محدَّدة ومنظَّمة. وتكمن أهمية هذا القانون في أنه يحافظ على صفة “المرفق العام” للمشفى حيث تبقى الملكية للدولة، وتظل الجهات الحكومية هي صاحبة القرار والرقابة العليا.

لكن نجاح هذا النموذج لا يتوقّف على الإطار القانوني القائم فقط، بل يتطلب مواءمة تشريعية أوسع، خاصة مع قانون الخدمة المدنية؛ لتحقيق مرونة أكبر في العمل، إلى جانب تطوير قانون المسؤولية الطبية لضمان وضوح الحقوق والواجبات ضمن بيئة مشتركة بين القطاعَيْن العام والخاص.
ركيزة محورية
ولفت الباحث في الاقتصاد السياسي إلى أنه لمنع تحوُّل هذه الشراكة إلى عِبء إضافي على المواطن، يمكن اعتماد نموذج “الإدارة مقابل الأداء”، وهو نموذج يربط العائد المالي للمستثمر بمستوى التحسُّن في الخدمة، في هذا الإطار، يتولَّى المستثمر تطوير الجوانب التشغيلية مثل الإدارة اليومية، والصيانة، وتحسين الخدمات اللوجستية، إضافةً إلى تدريب الكوادر الطبية والإدارية، مقابل الحصول على نسبة من العوائد المُحقَّقة من الخدمات الإضافية مثل الأجنحة المأجورة، مع الحفاظ على تقديم الخدمات الأساسية بشكل مدعوم أو مجاني للمواطن السوري.
د. السيد عمر : الإدارة مقابل الأداء.. لربط العائد المالي بمستوى تحسن الخدمة
وأضاف السيد عمر: أنه في ظل التحديات المعيشية الراهنة التي تواجه الأسر السورية، تبرز ضرورة عدم تحميل المجتمع أي أعباء مالية إضافية في قطاع العلاج، باعتبار ذلك ركيزةً محوريةً لتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الصحية.
وعليه، فإن جوهر هذا النموذج الإداري يتمثل في اعتماد منظومة تقييم أداء لا تقتصر على مؤشر الربحية المالية فحسب، بل ترتكز على معايير نوعية تمس حياة المرضى بشكل مباشر؛ كمؤشر سرعة الاستجابة للحالات الإسعافية، وانخفاض فترات الانتظار، وارتفاع نسب نجاح العمليات الجراحية، والارتقاء بمستوى جودة الرعاية الصحية المقدمة، وهذه المعايير كفيلة بضمان أن يكون التحسن في الكفاءة ملموساً وحقيقياً لدى المواطن، وليس مجرد أرقام محاسبية على الورق.
تجارب إقليمية ودولية
ولفت السيد عمر إلى أن هذا النموذج ليس جديداً في التجارب الإقليمية والدولية، بل طُبِّق بدرجات متفاوتة النجاح في المملكة العربية السعودية، وجاءت رؤية 2030 لتدعم إشراك القطاع الخاص في تشغيل المستشفيات الحكومية مع الحفاظ على مجانية العلاج عبر نظام تأمين شامل.
وأضاف: كما اعتمدت بعض الدول نموذج “المستشفى العام المستقلّ” بإدارة مرنة وإشراف حكومي كامل، ما أسهم في تقليل تضارب المصالح ورفع كفاءة الأداء داخل المؤسسات الصحية.
ورغم الفرص التي يُتيحها هذا التوجه، فإن تطبيقه كما أشار الباحث الاقتصادي يتطلَّب معالجة عدد من التحديات الحساسة، من أبرزها ضرورة حماية الكادر الطبي الحكومي من الإقصاء أو تهميش دورهم، من خلال إشراكهم في عملية التطوير الإداري، ومنحهم فرصاً عادلة للاستفادة من التحسينات الجديدة، ومن الأهمية بمكان وضع قواعد تنظيمية واضحة لإدارة هذه المشافي، تضمن توزيع المسؤوليات بشكل دقيق، وتُحدّد آليات العمل والتقييم دون غموض.
الشفافية في آلية الرقابة
منوهاً بأنه إلى جانب ذلك تبقى الشفافية عنصراً حاسماً في نجاح هذا النموذج، سواءٌ في صياغة العقود أو في آليات الرقابة والمتابعة، وجود رقابة حكومية فعّالة ومستمرة يضمن عدم انحراف الشراكة عن أهدافها الأساسية، ويحافظ على التوازن بين تحقيق الكفاءة الاقتصادية وضمان العدالة الاجتماعية في تقديم الخدمات الصحية.
وختم السيد عمر بالتأكيد على عدم تعلَّق الأمر باستبدال دور الدولة، بل بإعادة تنظيمه وتفعيله بطريقة أكثر كفاءة، إذ إن الشراكة مع القطاع الخاص يمكن أن تكون أداة فعَّالة لتحسين جودة الخدمات الصحية، بشرط أن تبقى المصلحة العامة هي الأساس، وأن تُصمَّم هذه الشراكات بعناية تضمن حماية حقوق المواطن والعامل السوري على حدٍّ سواء، بحيث تظل كرامة الإنسان وجودة حياته هي الهدف النهائي لأيّ إصلاح في هذا القطاع الحيوي.