الحرية – نهلة أبو تك:
واجهت الأسر السورية خلال السنوات الأخيرة صعوبات متزايدة في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، مقابل أجور ضعيفة لا تواكب التحولات الاقتصادية، في هذا السياق بات «اقتصاد الظل» أحد أبرز مظاهر الحياة الاقتصادية اليومية في البلاد، حيث يمثل ملاذاً أساسياً لملايين السوريين لتأمين الحد الأدنى من الدخل وسبل العيش، في ظل عجز القطاع الرسمي عن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
اقتصاد الظل ما هو ولماذا يظهر؟
يُعرف الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر اقتصاد الظل بأنه: «جميع الأنشطة الاقتصادية التي تُنتج سلعاً وخدمات مشروعة في جوهرها، لكنها غير مسجلة رسمياً، ولا تخضع للضرائب أو للرقابة الحكومية، ولا تلتزم بالقوانين المنظمة للعمل والتجارة».
ويشير اسمندر إلى أن هذا النوع من الاقتصاد يظهر عادة في فترات الأزمات والركود، عندما تقل قدرة القطاع الرسمي على توليد فرص العمل، وفي هذه الحالة، يصبح اقتصاد الظل بديلاً اضطرارياً للأفراد والأسر لتأمين دخلهم.
عوامل تمدد اقتصاد الظل في سوريا
يربط اسمندر التوسع الكبير لهذا الاقتصاد بمجموعة من الظروف الاستثنائية، أبرزها: تدهور القطاع الرسمي وضعف قدرته على استيعاب العمالة، وارتفاع معدلات البطالة وضعف الأجور، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار، والعقوبات الدولية وتأثيرها على النشاط الاقتصادي الرسمي.
وتوضح هذه العوامل لماذا أصبح اقتصاد الظل حاضراً بشكل فعلي في معظم القطاعات، وكيف ساهم في الحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي رغم توقف أو تقلص العديد من القطاعات الرسمية.
أهمية الظل في فترات الأزمات
يشدد اسمندر على أن اقتصاد الظل لا يقتصر دوره على توفير الدخل فحسب، بل يمتد ليكون أداة للتكيف مع الأزمات الاقتصادية، فهو يشكل مصدراً أساسياً للدخل وسبل العيش في ظل غياب فرص العمل الرسمية، ويساهم في تخفيض تكاليف بعض السلع والخدمات نتيجة غياب الضرائب والرسوم، ويعمل كأداة لامتصاص الصدمات الاقتصادية وتقليل حدتها، خصوصاً في ظل غياب شبكات أمان اجتماعي فعالة.
بهذه الطريقة، يوفر اقتصاد الظل للسوريين قدرة على التكيف مع الظروف الصعبة، ويحافظ على استمرارية الأسواق المحلية بشكل نسبي، حتى مع ضعف القطاعات الرسمية.
الفوائد الآنية والمخاطر المحتملة
ويشير اسمندر إلى أن الفوائد التي يقدمها اقتصاد الظل في سوريا اليوم تتلخص في: توفير الحد الأدنى من الدخل والسلع الأساسية للأسر، واستمرار النشاط الاقتصادي رغم توقف بعض القطاعات الرسمية، وتخفيف حدة الفقر في ظل ضعف شبكات الحماية الاجتماعية.
لكن الخبير اسمندر يحذر من أن هذه الفوائد «آنية ومؤقتة»، وأن استمرار اقتصاد الظل دون تنظيم يحمل معه مجموعة من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية:
خسارة الإيرادات العامة، ما يقلص قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
ضعف الحماية الاجتماعية للعاملين، الذين يفتقدون التأمين الصحي وحقوق التقاعد.
صعوبة وضع سياسات مالية فعالة نتيجة غياب بيانات دقيقة عن حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي.
تعميق التفاوت الاجتماعي وزيادة الفساد المالي، وانتشار سلع وخدمات منخفضة الجودة بسبب غياب الرقابة الحكومية.
إعاقة خطط التنمية وإعادة الإعمار بسبب اقتصادات غير شفافة.
إعادة دمج اقتصاد الظل ضمن الاقتصاد الرسمي
يشدد الخبير الاقتصادي على أن الحل لا يكمن في القضاء على هذا الاقتصاد، بل في تنظيمه تدريجياً و تسهيل إجراءات الترخيص للأعمال الصغيرة ومتناهية الصغر، ودعم المشاريع العائلية والحرفية لتشجيع الانتقال للعمل النظامي، وخلق بيئة تشريعية مرنة تحفز الأفراد على الانتقال من النشاط غير الرسمي إلى الرسمي دون أعباء مفرطة.
في النهاية، يعكس اقتصاد الظل قدرة السوريين على التكيف والصمود في مواجهة الأزمات، لكنه في الوقت نفسه مؤشر واضح على هشاشة الاقتصاد الوطني، ورغم دوره الحيوي في تأمين الحد الأدنى من العيش لملايين الأسر، إلا أنه لا يمكن اعتباره بديلاً عن إصلاح اقتصادي شامل يعيد قوة القطاع الرسمي ويضمن استقراراً ومعيشة مستدامة على المدى الطويل.