الجرية- صالح صلاح العمر:
من بركة الثورة السورية العظيمة أنها حررت البلاد والعباد، وأن الحرية التي يتمتع بها السوريون اليوم والتي تظهر في انتقاد قرارات الحكومة والاعتراض عليها حالة صحية تماماً، وتدل على أننا نسير في الاتجاه الصحيح،
الحرية، ببساطة، لا تُقاس بمدى توافقها مع رأي مسؤول أو توجه سلطة، بل بقدرتها على حماية الاختلاف، الحرية الحقيقية هي التي تضمن حق الفرد في أن يعيش وفق قناعاته، ما دام لا يعتدي على غيره، أما حين تصبح الحرية مشروطة برضا “الرأي العام” فإنها تفقد جوهرها وتتحول إلى امتياز يُمنح ويُسحب.
إن التنوع ليس تهديدًا بل مصدر غنى، فالتشريعات التي تُبنى على فرض نمط واحد للحياة، مهما كانت نواياها، سرعان ما تصطدم بواقع محزن لا يمكن اختزاله.
ليس المطلوب من المسؤولين أن يتبنوا نمط حياة معين أو يروجوا له، بل أن يضمنوا مساحة عادلة للجميع، وظيفة الدولة ليست توجيه الأذواق، بل حماية الحقوق،
المرسوم التشريعي رقم 180 هو الذي حدد أماكن تواجد بيع المشروبات الكحولية، وينص حرفيا بأن تباع في (الأحياء التي غالبية سكانها من غير المسلمين)، احتراماً لخصوصية هذا المكون، وإن قرار تنظيم مهنة بيع المشروبات الكحولية الذي أصدرته محافظة دمشق جاء تلبية للكثير من شكاوى المجتمع المحلي نتيجة قيام رواد النوادي والحانات والملاهي الليلية بأذى وإزعاج الجوار، فضلاً عما يُسيء للمجتمع والذوق العام.
القرار جاء نتيجة للفوضى الحاصلة في محلات بيع المشروبات الكحولية، وانتشار المحلات غير المرخصة، وبيع المشروبات للقُصر وصغار السن وهذه بحد ذاتها ظاهرة سيئة للغاية في مدينة تُسمى مدينة الياسمين.
المحافظة تحمل على عاتقها مسؤولية ضبط الأمن والاستقرار والحفاظ على السلم الأهلي والآداب العامة، ولا تتدخل بالحريات الشخصية للمواطنين، في مدينةٍ اعتادت أن تكون مرآةً للتاريخ، إنها دمشق، التي يفاخر أبناؤها بأنها مدينة الأمويين، لم تكن يومًا أحادية اللون، عرفت عبر قرون طويلة تنوعًا دينيًا وثقافيًا، واحتضنت أنماط حياة مختلفة، بعضها لا يرى في الكحول حرجًا، لكن هذا التنوع نفسه لم يكن يومًا ذريعة لفرض واقعٍ صادم على المزاج العام، ولا لتجاهل الحساسية الثقافية والدينية التي تشكّل وجدان الغالبية.