مستلزمات الإنتاج الصناعي بين مظلة الحماية الحكومية وإنعاش الصناعة الوطنية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – سامي عيسى:

لم تقتصر موجة الغلاء الأخيرة على السلع المعيشية التي تهم المواطن العادي، بل تجاوزتها لتطول مدخلات الإنتاج الصناعي، وعلى رأسها مصادر الطاقة والمواد الأولية، وفي ظل هذا الواقع، تظل تساؤلات كثيرة معلقة حول قدرة الصناعة الوطنية على النهوض، خاصة مع بقاء مستلزمات الإنتاج خارج مظلة الحماية الحكومية، رغم المؤشرات الإيجابية التي تشير إلى تعافٍ جزئي في بعض القطاعات.

خطوات عملية نحو التعافي

من خلال المتابعة للواقع المحلي، نجد جملة من المؤشرات الحكومية تشير إلى استئناف عدد كبير من المصانع أعمالها، خصوصاً في قطاعات الصناعات الغذائية والأدوات الكهربائية والمنتجات البلاستيكية، بفضل بعض التسهيلات الحكومية والإجراءات الداعمة لآلية العمل، وهنا يؤكد المهندس سوار حسن، مدير مصنع للأدوات الكهربائية في دمشق، في تصريحه لـ«الحرية»: استطعنا استئناف العمل بنسبة 70% من الطاقة الإنتاجية، وزيادة التصدير بنسبة 25% خلال الأشهر الماضية من العام الحالي، وذلك بفضل بعض الإجراءات الحكومية من إعفاءات مالية وجمركية، وإجراءات أخرى مشجعة سمحت بتحديث خطوط الإنتاج، ونتوقع زيادة الإنتاج بنسبة 30% مع نهاية العام.

مشكلة التشريعات والإجراءات الحكومية
وهذه الرؤية تمثل رأي الكثير من أهل الإنتاج، إلا أن هناك آراء تبحث في واقعية العمل وتنطلق في رؤيتها من فاعلية ما يحدث في ميدان العمل، فالصناعي سامر شولح يؤكد وجود تداخل وتشابك في القوانين والإجراءات بين الجهات الحكومية، ما يربك آلية العمل، وبالتالي نمو هذه التشريعات في ظروف صعبة أدى إلى ضعف الشفافية والوضوح، وزاد من «المزاجية في التنفيذ».
ويرى شولح أن تعديل القوانين والتشريعات ضرورة حتمية لتتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد دمج الوزارات «مثل دمج الصناعة مع الاقتصاد والتموين» الذي سبب ازدواجية وتضارب القرارات، وسوء تفسير بعض القوانين يخلق ارتباكاً في تطبيقها على أرض الواقع ويؤثر على الإنتاجية.

مدخلات الإنتاج والمواد الأولية
والحديث لن يكتمل بعد، فلا بد من الحديث عن قصص أخرى تشكل عوائق كبيرة أمام انتعاش المنتج الصناعي، ففي رأي شولح أن الرسوم والضرائب على المواد الأولية أخطرها، فهي تزيد من تكلفة الإنتاج، وهذا ينعكس على أسعار المنتجات محلياً ودولياً، دون تجاهل ضعف القدرة على تحديث المعامل والخطوط الإنتاجية، واعتمادها على آلات قديمة بعيدة عن الحداثة والتقنية الجديدة ما يقلل من قدرتها التنافسية، وبالتالي، استخدام التقنية الحديثة يؤدي إلى توفير اليد العاملة، وتخفيض التكاليف التشغيلية، بما فيها الطاقة.
والحال ذاته تنطبق على الإنتاجية الزراعية، فهي لا تبتعد كثيراً عن الواقع الصناعي، بل تعتبر متقاربة في المشاكل وضرورة حلولها، فالزراعة رافد أساسي للانتعاش الاقتصادي، ويشكل القطاع الزراعي العمود الفقري للأمن الغذائي، وقد شهدت المحاصيل الأساسية مثل القمح والحمضيات ارتفاعاً في الإنتاجية، حيث يرى الزراعي إبراهيم علي من حماة أن تقديرات إنتاجنا هذا الموسم حوالي 1.2 مليون طن من القمح مقارنة بـ 850 ألف طن في الموسم السابق، بفضل الدعم الحكومي بالآليات والبذور الحديثة، وتضيف المهندسة الزراعية رويدا محمود من دير الزور إن «برامج التدريب للفلاحين على الزراعة الحديثة رفعت إنتاجية الزيتون بنسبة 35% مقارنة بالموسم الماضي».

استراتيجيات إنعاش مستدامة
حالات التفاؤل بمستقبل إنتاجي على الصعيدين الصناعي والزراعي تبدو واضحة عند الجميع، وخاصة أن قطاع الصناعة، وفق رأي الخبير الزراعي أكرم عفيف، يساهم في الإنتاج المحلي بنسبة تزيد على 15%، والزراعة بأكثر من 20%، وبالتالي، مع دعم الحكومة للقطاعين، فإن هذه النسب قد تتضاعف خلال المستقبل القريب، ويدعم رؤية الخبير عفيف ما ذكرته بعض المنظمات الدولية، وخاصة البنك الدولي، من أن الإنتاج الصناعي عاد إلى نحو 60-65% من طاقته قبل الأزمة، والإنتاج الزراعي تحسن بشكل ملحوظ، لكن لا يزال يحتاج إلى استثمارات إضافية بقيمة 1.2 مليار دولار لتعويض الفاقد في البنية التحتية والتقنيات الحديثة.

تحديات وحلول مستقبلية
وعلى الرغم من كل ذلك، فهناك تحديات كثيرة تحتاج إلى حلول جذرية في رأي الخبير عفيف، في مقدمتها ضعف التمويل، حيث تحتاج المصانع لنحو 500 مليون دولار سنوياً لتحديث المعدات والمواد، إلى جانب ضعف البنية التحتية «النقل والطاقة» ما يضعف طاقة المصانع على العمل الكامل، والأهم التسويق، فهناك حاجة لفتح أسواق خارجية لزيادة تصدير 10% من الإنتاج الصناعي الحالي.

إلى جانب مقترحات حلول أخرى تكمن برأي الصناعي شلح، في دور الحكومة وتركيزها على جوانب مهمة، واعتمادها برامج إعفاءات ضريبية وجمركية للمواد الأولية الداخلة في الإنتاج، مع التركيز على الصناعي المنتج وليس التاجر، وتحسين تكاليف الطاقة لأنها تمثل العبء الأكبر على الإنتاجية، خصوصاً عند المقارنة بالدول المجاورة.
باختصار شديد، نجد أن انتعاش الإنتاجية الصناعية يحتاج إلى إصلاح تشريعي وإجرائي، ودعم للمدخلات الإنتاجية، وتحديث تقني، وتحسين تكاليف الطاقة، وليس مجرد دعم مالي مباشر.

Leave a Comment
آخر الأخبار