الحرية- دينا الحمد:
في ظل ما تمرّ به سوريا من تحديات مركّبة بعد انتصار الثورة السورية وبدء مرحلة بناء الدولة الجديدة، تبرز الوحدة الوطنية بوصفها أولوية لا تقبل التأجيل، ومرتكزاً أساسياً لأي مسار يهدف إلى ترسيخ الاستقرار واستعادة التعافي الوطني، ولم يعد هذا المفهوم مجالاً للتناول النظري أو الطرح العام، بل أصبح قضية عملية تتطلب سياسات واضحة، وخطاباً مسؤولاً، وإجراءات ملموسة تعيد بناء الثقة داخل المجتمع.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن التماسك الوطني هو خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات، وقد أثبت السوريون خلال ثورتهم وبعد انتصارهم على النظام البائد قدرتهم على تجاوز الانقسامات، كما أثبتت التجربة أن التنوع الذي يميز المجتمع السوري يمكن أن يكون مصدر قوة، متى ما أُحسن توظيفه ضمن إطار جامع يقوم على المواطنة وسيادة القانون، ويضمن الحقوق والواجبات على قدم المساواة.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مسؤولية تعزيز الوحدة الوطنية لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة ومختلف فئات المجتمع، وهو ما تتبناه الحكومة السورية الجديدة في سياساتها الرامية إلى جمع كل أبناء الوطن تحت سقف الدولة الجامعة.
وفي موازاة ذلك، تبرز الحاجة إلى مقاربة واقعية لمعالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الأزمة، إذ إن تحسين الظروف المعيشية، وتعزيز العدالة في توزيع الفرص، يمثلان عاملين حاسمين في دعم الاستقرار الداخلي، وهو ما تعمل عليه الحكومة السورية الجديدة من خلال خططها الطموحة لإعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد الوطني، فالوحدة الوطنية لا تنفصل عن الإحساس بالإنصاف، ولا يمكن ترسيخها في ظل فجوات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
كما أن الدفع باتجاه مصالحة وطنية حقيقية، تقوم على أسس واضحة من الحوار والمسؤولية، يشكل خطوة ضرورية في مسار إعادة بناء الثقة، وهو ما تسعى إليه الدولة السورية الجديدة من خلال إطلاق حوارات وطنية شاملة تهدف إلى تجاوز آثار عقود من الاستبداد، فالمصالحة، بمفهومها الشامل، ليست إجراءً مرحلياً، بل عملية مستمرة تهدف إلى تجاوز آثار مرحلة الاستبداد التي انتهت بانتصار الثورة، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة قائمة على التفاهم والتكامل.
إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة التحديات إلى معالجتها بشكل جذري، بما يضمن عدم تكرار مسبباتها، وهو ما يستدعي تضافر الجهود، واعتماد رؤية وطنية شاملة تضع مصلحة سورية فوق كل اعتبار، وتُعلي من شأن وحدتها باعتبارها الضامن الحقيقي لمستقبلها تحت قيادة الدولة السورية الجديدة التي أثبتت جديتها في بناء مؤسسات وطنية قادرة على حمل مشروع النهضة.
ختاماً، تبقى الوحدة الوطنية الإطار الذي تنتظم فيه مختلف مسارات العمل الوطني، والركيزة التي يُبنى عليها أي مشروع للنهوض والاستقرار، وفي ضوء المتغيرات المتسارعة، فإن الحفاظ على هذه الوحدة وتعزيزها يشكلان مسؤولية جماعية تتطلب وعياً مستمراً، وإرادة راسخة، وعملاً دؤوباً يليق بتحديات المرحلة ومتطلباتها ويتسق مع رؤية سورية الجديدة التي تبنيها مؤسساتها الوطنية.
الوحدة الوطنية.. مشروع سوريا الجديدة في مرحلة البناء
Leave a Comment
Leave a Comment