الحرية– آلاء هشام عقدة:
في لحظات التوتر الجيوسياسي، لا تنتظر الأسواق وقوع الحدث الكامل كي تتحرك، بل تبدأ بتسعير الاحتمالات، هذا ما حدث أخيراً في منطقة الخليج العربي، حيث انعكس التصعيد الأمني سريعاً على كلفة التأمين البحري في أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية، وهو مضيق هرمز.
فبمجرد ارتفاع منسوب المخاطر، أعادت شركات التأمين تقييم تغطياتها، وعدّلت شروطها بما يتناسب مع واقع جديد يتسم بقدر أكبر من عدم اليقين، في مؤشر واضح إلى أن الاقتصاد العالمي يلتقط إشارات التوتر قبل أن تتجسد في تعطّل فعلي للملاحة.
أول مؤشرات القلق
وفي هذا السياق، بيّن الباحث الاقتصادي الدكتور سلمان صبيحة لـ«الحرية» أن التأمين البحري يُعد من أكثر القطاعات تأثراً بالتطورات الجيوسياسية، لأنه يقوم أساساً على تقدير المخاطر المستقبلية لا على تعويض خسائر وقعت بالفعل، وأوضح أن شركات التأمين تعيد تسعير التغطيات فور تصنيف أي منطقة على أنها عالية المخاطر، لاسيما إذا ارتبط الأمر بممرات استراتيجية.
وأشار صبيحة إلى أن الاتفاقيات البحرية الدولية، مثل اتفاقية بروكسل للنقل البحري واتفاقية هامبورغ للنقل البحري، تنظم مسؤولية الناقل البحري وتحدد حدودها، لكنها لا تغطي كامل قيمة البضائع في جميع الحالات، ما يجعل التأمين الخاص ضرورة تجارية لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصاً في المناطق التي تشهد توتراً أمنياً.
وأضاف: وثائق التأمين البحري القياسية تستثني عادة أخطار الحروب والنزاعات، وهو ما يفرض اللجوء إلى وثائق مستقلة تُعرف بتأمين أخطار الحرب، تُسعّر وفق تقييم دقيق لاحتمالات الاستهداف أو الإغلاق أو تعطّل حركة الملاحة. ولفت إلى أن أي ارتفاع في مستوى المخاطر المدركة ينعكس مباشرة في قيمة الأقساط، حتى وإن لم يقع حادث فعلي.
مضيق استراتيجي
تكمن أهمية مضيق هرمز في موقعه الجغرافي الذي يجعله نقطة عبور رئيسية لتدفقات الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب.
ومن منظور جيو اقتصادي، فإن أي اضطراب في هذا الممر لا يُقرأ بوصفه حادثاً محلياً محدوداً، بل باعتباره عاملاً قادراً على التأثير في أسعار النقل والطاقة والتجارة العالمية.
الممرات البحرية الاستراتيجية ليست مجرد طرق للشحن، بل أدوات نفوذ ضمن التوازنات الدولية، مضيفاً إن ارتفاع كلفة التأمين فيها يعكس إدراك الأسواق لاحتمال استمرار حالة عدم اليقين، وهو ما يدفع شركات النقل إلى اتخاذ احتياطات إضافية قد ترفع الكلفة التشغيلية.
إعادة تسعير المخاطر
إعادة تسعير التأمين لا تعني بالضرورة وقوع خطر وشيك، بل تمثل آلية احترازية تستند إلى نماذج تقييم معقدة. فشركات التأمين تأخذ في الاعتبار جملة من العوامل، منها درجة الاستقرار الإقليمي، واحتمالات تعرّض السفن لأضرار مباشرة، وإمكانية تعطّل الممرات الحيوية.
وفي أوقات التصعيد، قد يتم تعديل شروط الوثائق أو إعادة إصدارها وفق معايير أكثر تشدداً. وهذا الإجراء يعكس قراءة جديدة لمستوى المخاطر، لا مجرد قرار إداري عابر.
انعكاسات مباشرة
ارتفاع أقساط التأمين يترجم عملياً إلى زيادة في تكاليف الشحن وهذه الزيادة، وإن بدت في ظاهرها تقنية، تنتقل تدريجياً عبر حلقات سلسلة الإمداد، مؤكداً أن تكاليف النقل تُحتسب ضمن سعر السلعة، سواء كانت مواد أولية أو منتجات نهائية.
كما أن أسواق الطاقة تتأثر سريعاً بأي تطورات في الخليج العربي، نظراً لأهمية الممرات البحرية في تدفقات الإمداد. وحتى في حال استمرار الملاحة دون تعطيل فعلي، فإن ارتفاع المخاطر المدركة يكفي لدفع المتعاملين إلى إعادة تقييم الأسعار.
مؤشر مبكر للتضخم المستورد
من زاوية اقتصادية أوسع، يوضح الخبير الاقتصادي، بأنه يمكن النظر إلى ارتفاع التأمين البحري بوصفه مؤشراً مبكراً لضغوط تضخمية محتملة. فعندما ترتفع كلفة حماية السفن، ترتفع معها كلفة نقل الطاقة والسلع الأساسية، ما ينعكس في نهاية المطاف على المستهلك.
وهنا تظهر الطبيعة العابرة للحدود للتوترات الجيوسياسية، إذ لا تبقى آثارها محصورة في نطاق جغرافي معين، بل تمتد عبر التجارة العالمية لتؤثر في اقتصادات بعيدة عن موقع الحدث.
سلاسل الإمداد تحت اختبار جديد
وأوضح صبيحة ان التطورات الأخيرة تكشف أن سلاسل الإمداد العالمية، رغم مرونتها، ما تزال عرضة للصدمات في نقاط الاختناق البحرية، وقد يدفع استمرار حالة عدم اليقين الشركات إلى التفكير في بدائل لوجستية أو مسارات أطول، ما يعني زيادة زمن الرحلة وكلفتها.
وفي حال طال أمد التوتر، قد تتحول هذه التعديلات المؤقتة إلى ترتيبات شبه دائمة، تعيد رسم خريطة النقل البحري في المنطقة .
ما يجري في مضيق هرمز يؤكد أن الجغرافيا السياسية ما تزال عاملاً حاسماً في معادلة الاقتصاد العالمي. فالتأمين البحري ليس مجرد بند مالي في عقود الشحن، بل أداة لقياس مستوى الاستقرار الدولي. وعندما ترتفع أقساطه في ممر استراتيجي، فإن ذلك يعكس تحوّلاً في قراءة المخاطر العالمية.
في النهاية، قد لا يرى المستهلك تفاصيل عقود التأمين، لكنه يلمس أثرها في أسعار السلع والطاقة. وهكذا تتحول التوترات الإقليمية إلى ضغوط اقتصادية عابرة للحدود، تؤكد أن استقرار الممرات البحرية شرط أساسي لاستقرار التجارة والأسواق.