مكافآت النجاح.. بين التحفيز الصحي وتقويض الدافع الداخلي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ فادية مجد:
يبحث الأهل دائماً عن وسائل فعّالة لدعم أبنائهم دراسياً، وفي خضم هذا السعي، قد يلجأ بعضهم إلى ربط التفوق بالحصول على مكافآت مادية أو هدايا، اعتقاداً منهم بأن هذا الأسلوب قادر على تحفيز الجهد والتحصيل.
ورغم أن الفكرة تبدو مغرية وسهلة التطبيق، إلا أنها تثير أسئلة عميقة حول أثرها الحقيقي على علاقة الطفل بالتعلم، ودافعيته الداخلية، وتوازنه النفسي.
وهو ما توقف عنده التخصص النفسي والتربوي ليحسم الجدل حول فعالية هذه الممارسات ويكشف ما تخفيه من نتائج بعيدة المدى، حيث قدمت الدكتورة في الإرشاد النفسي مايا بركات قراءة تربوية ونفسية تكشف ما قد تخفيه هذه الممارسات من نتائج بعيدة المدى.

التفوق كصفقة

وبدأت الدكتورة بركات كلامها لـ«الحرية» بالقول إن ربط التفوق بالحصول على مقابل مادي يمكن تفسيره تربوياً من خلال نظرية التعزيز، التي تقوم على مبدأ أن السلوك يتبع نتائجه، فيصبح التفوق مرتبطاً بالمكافأة لا بقيمة التعلم.
وأوضحت أن هذا الأسلوب، رغم قدرته على تحقيق نتائج سريعة، يظل محدود الأثر لأنه يضعف الدافعية الداخلية، ويحوّل التعلم إلى وسيلة لغاية مادية، مشيرة إلى أن هذا السلوك يعكس ثقافة اجتماعية تربط القيمة الشخصية بالإنجازات الملموسة، ما ينقل للطفل رسالة ضمنية بأن قيمة التعلم تكمن في عوائده لا في ذاته، وهو ما يغيّر نظرته إلى المعرفة، ويجعلها مرتبطة بالمكاسب أكثر من ارتباطها بالفضول والاكتشاف.

تآكل الدافع الداخلي

وأضافت الدكتورة بركات: إن تقديم مكافأة خارجية لسلوك كان يحفّزه دافع داخلي يؤدي إلى إعادة تفسير الطفل لسلوكه على نحو «أنا لا أدرس لأنني أحب التعلم، بل للحصول على الهدية»، مبينة أن هذا التحول يضعف ارتباطه الحقيقي بالتعلم، ويجعله يتجنب التحديات المعرفية، ويختار المهام السهلة والمضمونة لضمان المكافأة.
وأكدت أن الطفل يفقد المتعة بالمعرفة لصالح التركيز على النتيجة، فيتحول التعلم من عملية ممتعة إلى مهمة مشروطة، ويصبح هدفه الأساسي الحصول على المقابل لا تطوير مهاراته أو توسيع مداركه.

آثار نفسية تمتد إلى تقدير الذات

كذلك أشارت الدكتورة بركات إلى أن تحويل التفوق إلى «صفقة» يترك آثاراً نفسية واضحة، أبرزها انعدام المتعة في التعلم، إذ يتحول الفضول إلى مهمة روتينية، ويلفت إلى أن الطفل يبدأ بتجنب المواد الصعبة والأنشطة الإبداعية غير المضمونة، وينخفض تقديره لذاته لأنه يربط قيمته بدرجاته، موضحة، أن القلق المصاحب للأداء يصبح حاضراً بقوة، وقد يتطور إلى أعراض نفسية وجسدية مثل الصداع واضطرابات النوم، لأن الطفل يصبح منشغلاً بالسؤال “هل سأحصل على المكافأة؟” بدلاً من التركيز على فهم المادة أو تطوير مهاراته.

تصاعد المطالب

ورأت الدكتورة بركات أن المكافآت المشروطة تؤدي إلى تصاعد مطالب الطفل عاماً بعد عام، استناداً إلى مفهوم «عتبة المتعة المتناقصة»، حيث يفقد الطفل إثارة المكافأة السابقة ويبحث عن أعلى منها، إضافة إلى مقارنة مكافآته بمكافآت أقرانه.
وأشارت إلى أن هذا النمط ينعكس على العلاقة بين الأهل والأبناء، إذ تتحول العلاقة إلى مقايضة قائمة على «ماذا سأربح مقابل ماذا سأقدّم»، كما أنه يضعف شعور الطفل بالأمان غير المشروط، ويبدأ بإخفاء صعوباته الدراسية خوفاً من خسارة المكافأة، بينما تُقابل محاولات الأهل للعودة إلى علاقة صحية بمقاومة واتهامات بالبخل أو الظلم، ما يزيد التوتر داخل الأسرة.

احتفال بالجهد لا بالنتيجة

كما ذكرت الدكتورة بركات أن المكافأة الصحية هي التي تحتفل بالجهد لا بالنتيجة، وتأتي بعد ملاحظة الإنجاز دون اتفاق مسبق، ولا ترتبط بشرط يُسحب عند غيابه، وأكدت أهمية أن تكون المفاجأة غير متوقعة، وتقديمها باعتدال كرمز تقدير لا كسلاح ضغط، منوهة أن المكافأة الصحية تحمي العلاقة بين الطفل وأهله، وتحافظ على حب التعلم دون تحويله إلى صفقة، مؤكدة أن الاعتدال والمرونة هما الأساس في هذا النوع من التعزيز.

نصائح عملية للأهل

واختتمت الدكتورة بركات بتقديم مجموعة من الإرشادات للأهل، أبرزها ضرورة إظهار الحب غير المشروط بوضوح، والاحتفال بالجهد بدل الشرط، وتعليم الطفل التعامل مع الفشل كفرصة، وتوفير بيئة غنية بالفضول والمعرفة.
وأكدت أنه يتوجب على الأهل الذين اعتادوا نظام المكافآت المشروطة الانتقال التدريجي إلى بدائل صحية، مع شرح سبب التغيير بلغة تناسب عمر الطفل، لأن الهدف هو أن يتعلم أن حب المعرفة قيمة بحد ذاتها. ولفتت إلى أهمية القدوة، وأن يرى الطفل أهله يقرؤون ويتعلمون بدافع الفضول، وأن يُحتفى بجهوده اليومية لا بنتائجه فقط.

Leave a Comment
آخر الأخبار