الحرية ـ نهلة أبو تك:
في لحظة إقليمية تتسارع فيها التحولات السياسية والاقتصادية، وتُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ وممرات التجارة والطاقة، جاءت مشاركة السيد الرئيس أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي عُقد في تركيا، لتؤشر إلى توجه سوري متصاعد نحو إعادة التموضع الإقليمي، والانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى استثمار الفرص، وفق ما يصفه الخطاب الرسمي السوري في المرحلة الراهنة.
وتأتي هذه المشاركة في سياق علاقات سورية تركية قائمة أساساً، لكنها تشهد حراكاً أكثر ديناميكية في المرحلة الأخيرة، مع توجه واضح نحو توسيع مجالات التعاون، ولا سيما في الجوانب الاقتصادية والتجارية، بما يعكس إدراكاً مشتركاً لطبيعة المتغيرات الإقليمية ومتطلبات المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، أوضح مدير مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية، الخبير الاقتصادي محمد غزال، في حديثه لـ”الحرية”، أن سوريا عادت إلى الطاولة الدولية كفاعل إقليمي مؤثر، ولم تعد تُطرح كملف أزمة، بل كدولة تمتلك فرصاً متعددة داخل المشهد الإقليمي المتغير.
وأضاف غزال أن مشاركة الرئيس أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي جاءت في إطار تعزيز علاقات قائمة أساساً بين سوريا وتركيا، والعمل على تطويرها نحو مستويات أعمق، خاصة في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار.
وبيّن أن تركيا تُعد اليوم الممر الاقتصادي الأهم لسوريا في ملفات إعادة الإعمار، وتنشيط الحركة التجارية، والانفتاح على الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنح العلاقات بين البلدين بعداً استراتيجياً يتجاوز الإطار الثنائي التقليدي.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن التحولات الجارية في المنطقة، خصوصاً في ممرات الطاقة والنقل والتجارة الدولية، تفتح المجال أمام إعادة رسم أدوار جغرافية جديدة، حيث يمكن لسوريا أن تلعب دوراً محورياً كخيار لوجستي بديل في بعض المسارات الإقليمية، في ظل التحديات التي تواجه ممرات تقليدية في المنطقة.
وأكد غزال أن الحديث عن انتقال سوريا من الأزمة إلى الفرص يعكس تحولاً تدريجياً في الخطاب السياسي والاقتصادي، مدعوماً بحراك دبلوماسي يسعى لإعادة إدماج سوريا ضمن شبكة المصالح الإقليمية والدولية”.
وشدد الخبير غزال على أن ترجمة هذا التحول إلى واقع عملي يتطلب تطوير البنية التحتية، وتحديث البيئة التشريعية والاستثمارية، بما يضمن جذب الاستثمارات وخلق شراكات طويلة الأمد تعزز موقع سوريا الاقتصادي في المرحلة المقبلة.
تحول في المسار
ويضيف غزال تعكس مشاركة سوريا في منتدى أنطاليا الدبلوماسي اتجاهاً واضحاً نحو إعادة تثبيت الحضور السوري ضمن المعادلات الإقليمية الجديدة، مستفيدة من التحولات الجيوسياسية التي أعادت ترتيب أولويات الطاقة والتجارة على المستويين الإقليمي والدولي.
كما يفتح تعميق التعاون الاقتصادي مع تركيا، بوصفها بوابة رئيسية نحو الأسواق الأوروبية، المجال أمام فرص لإعادة ربط الاقتصاد السوري بالمنظومة الإقليمية والدولية، وتحويل الموقع الجغرافي إلى عنصر قوة اقتصادي واستراتيجي فاعل.
بين خطاب الأزمة ومسارات الفرص، تتحرك سوريا اليوم ضمن مقاربة جديدة تقوم على إعادة تعريف الدور والموقع، عبر تعزيز الشراكات القائمة وتوسيع آفاقها، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تشكل للتوازنات الاقتصادية والسياسية، بما يجعل من المرحلة الراهنة لحظة اختبار حقيقية لفرص التحول الاقتصادي والاستراتيجي.