“من الألف إلى الياء”.. رحلة موفق الخاني الطويلة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- لبنى شاكر:

عام 2004 أُوقِف البرنامج الشهير “من الألف إلى الياء”، ومع أن الأمر كان مُفاجئاً لمعده ومقدمه موفق الخاني 1922- 2021 بعد 42 عاماً من العرض المستمر على الشاشة السورية، إلا أن الرجل الذي غادرنا في مثل هذه الأيام، وجد في الإيقاف فرصة لممارسة عمل آخر، في الجمعية السورية لمكافحة السل والأمراض التنفسية، هناك التقيته قبل عشر سنوات.
“لم يكن هناك سبب واضح لإيقاف البرنامج”، قال الراحل يومها، مضيفاً “ربما البعض لديهم رأي معين فيما يخصني، وربما ملّوا مني، لكني شعرت بالسعادة حين أُوقف البرنامج بداية فالجهد المتعلق به كان كجبل على ظهري لكنني ندمت لاحقاً لأن الجهد بات أخف، وعلى أي حال حتى لو انتهي عملي الإعلامي أستطيع الآن ممارسة العمل الفكري حتى آخر حياتي”.

+ كنت أعمل طوال الأسبوع وفي ربع الساعة الأخيرة أتوجه إلى التلفزيون لأقدم برنامجي على الهواء مباشرة”

على الهواء مباشرة

تطلع الخاني إلى التلفزيون منذ بداياته وكان حينها ضابطاً في الجيش، تقدم بطلب إلى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لمنحه الفرصة لتقديم برنامج علمي، وأعدَ لاحقاً برنامجه الأول “من الألف إلى الياء”، كان ذلك عام 1963. وعنه قال: “انتقيت أول موضوع للبرنامج عن الأرض على اعتبار أنه يتبع ترتيب الأحرف الأبجدية، مصادري العلمية آنذاك كانت مصادر فلمية بالدرجة الأولى، بدأت بالاعتماد على المكتبات الموجودة في المراكز الثقافية العربية والأجنبية الموجودة في سوريا، وكنت أصور أحياناً بعض المواضيع سينمائياً، ومع تطور التقنية تابعت تصوير الأفلام المحلية بالفيديو. ‏وبطبيعة الحال كانت هناك صعوبة كبيرة في التعامل مع المادة العلمية، وكان الأمر أشبه بالنحت على الحجر فكنت أعمل طوال الأسبوع وفي ربع الساعة الأخيرة أتوجه إلى التلفزيون لأقدم برنامجي على الهواء مباشرة، حتى إن مخرجة العمل لم تكن تعرف ما هي المادة التي سأقدمها، لذلك كان التنسيق بيننا يجري أثناء العرض”.

+لم أستفد مادياً خلال 50 عاماً من العمل في الصحافة والتلفزيون لكنني استفدت معنوياً من خلال محبة الناس التي تعادل ثروة”

نشر المادة العلمية

في الجمعية بدا العمل موازياً تقريباً لعمله في التلفزيون، وكان هدفه إيصال المعلومة العلمية الثقافية للطلاب الأصغر، مؤمناً بأن الطفل هو الواسطة الأولى لإيصال المعلومة للأهل والأصدقاء، لذلك قدَم له المعلومة على طائرة ورقية، مستفيداً من معرفته باللغتين الفرنسية والإنكليزية، ومما قدمه أيضاً في برنامجه حيث وضعه على cd ووزعه عبر الجمعية لأكثر من 5 آلاف مدرسة في سوريا.
الهوس بنشر المادة العلمية رافق الخاني خلال حياته، حتى أنه على حد وصفه استغلّ الصحافة والتلفزيون لينشر المعلومة، وهذا لا شك شغف غير اعتيادي، شرح عنه: “كنت أدفع وأتعب من أجل ذلك حتى إنني لم أستفد مادياً خلال 50 عاماً من العمل في الصحافة والتلفزيون لكنني استفدت معنوياً من خلال محبة الناس التي تعادل ثروة، فبرنامج استمر لمدة 42 عاماً لا يمكن نسيانه، كثر نشؤوا معه منذ الستينيات ويذكرونه بخير لأنني قدمته بإخلاص، وهذا سبب استمراريته الطويلة، وعلى أي حال ذاك كان شيئاً قدمته وأنا راضٍ عنه لكن لكل شيء نهاية”. ‏

في عالم الطيران

وربما لا يعرف من عاصروا الخاني كإعلامي، حكايته السابقة مع الطيران، حيث تخرج عام 1942 كميكانيكي طائرات، ولمّا تنته الحرب العالمية الثانية، ليعمل مع زملائه في إصلاح الطائرات، كما عملوا مع الفرنسيين كعسكر في جيش الشرق، ثم حصل على ترقية مع سنوات الخدمة، إلى أن كانت “حرب الإنقاذ” عام 1948، وقتها طُلب من الخاني ورفاقه تجهيز الطائرات برشاشات وحاملات قنابل.
يروي لنا وقائع لافتة منها مثلاً أنه حلق بطائرته “لمياء” فوق سماء فلسطين، وأن الفرنسيين حين جلوا عن سورية تركوا قنابل في نهر العاصي فقام الضباط بإخراجها وتجفيفها لاستخدامها في المعارك، أيضاً علموا أن الألمان والإنكليز تركوا أسلحة كثيرة بعد الحرب العالمية في الصحراء الليبية، فاشتروا أعداداً منها للقتال ضد “إسرائيل”
بعد الحرب تسلّم الخاني سرب النقل، وبحث عن طريقة للاستفادة من طائرتي ركاب تتسع كل واحدة منها لـ 26 راكباً، واقترح إنشاء خطوط جوية، لكنه قوبل بالممانعة بعد إفلاس شركة طيران سورية مُساهمة كانت موجودة قبل سلاح الطيران، أسسها كبار الاقتصاديين والتجار، واشترى الناس أسهماً فيها بعد أن فتحت خطوطاً للطيران، منها خط “دمشق- القاهرة”، لكن بسبب الخوف من فكرة الطيران لم تستطع استقطاب ركاب فأفلست، هنا حاول الخاني التحايل على الخطأ السابق بنقل الحجاج عوضاً عن صعوبات سفرهم براً.

فيما بعد، أسس نادي الطيران الشراعي عام 1954، وكان له إنجاز مهم حين أصابت حشرة محصول القطن في الساحل السوري، وأراد الخاني تطبيق ما قرأه صدفة عن مكافحتها برش المبيدات، باستخدام طائرات شراعية شبيهة بالموجودة لديه، لكن ذلك تطلّب إضافة بعض الأجزاء لنجاح عملية الرش. يضيف في حديثه: “طلبت من رئيس الأركان “أديب الشيشكلي” أن يسمح لي بالتجربة، فاستخدمت أدوات وأجهزة خاصة وحلقت بالطائرة لتجريب الطريقة عملياً ورش الرذاذ المطلوب، نجحت في النهاية وحصلت على ثناء وتقدير”.
في فترة الوحدة بين سوريا ومصر، التحق موفق الخاني بدورة أركان حرب، ليصبح “عقيد طيار أركان حرب”، وكانت تلك الخطوة الأخيرة قبل أن يترك عالم الطيران، وهو الطيار المدني والعسكري، وله 2500 ساعة طيران، نحو مجالات أخرى كعمله في جمعية مكافحة السل ومشواره الإعلامي الحافل، الذي عرّفه لأجيال من السوريين.

تصوير: طارق الحسنية

Leave a Comment
آخر الأخبار