الحرية – ميسون شباني:
اختتم العرض المسرحي «ليلة الوداع» فعاليات مهرجان دمشق المسرحي، حيث قُدّم في اليوم الأخير من المهرجان على خشبة مسرح الحمراء بدمشق، مستعرضاً رحلة امرأة تستعيد محطات حياتها منذ الطفولة وحتى الشيخوخة، في عمل يتناول قضايا المرأة والحرية والاختيار من خلال معالجة إنسانية تعتمد على الذاكرة بوصفها محوراً أساسياً للأحداث.
شخصيات عابرة للزمن
المسرحية من تأليف جوان جان، وإعداد وسينوغرافيا وإخراج سعيد الحناوي، فيما جسدت الممثلات ديالا العلي، وهالة البدين، ومروى الزير، ونور نجار شخصية «أمل» في مراحل عمرية مختلفة، ضمن رؤية تقوم على تقديم الشخصية الواحدة عبر تحولات الزمن وتجارب الحياة المتراكمة. يرصد العرض، على حد تعبير صنّاعه، مسيرة امرأة تعود بذاكرتها إلى محطات مفصلية من حياتها، منذ طفولتها مروراً بشبابها وتجاربها العاطفية والاجتماعية، وصولاً إلى سنواتها الأخيرة، في محاولة لفهم أثر الظروف والقرارات التي رسمت مسار حياتها.
المرأة في مواجهة القيود الاجتماعية
ويؤكد كاتب العمل جوان جان، في تصريح خاص لـ«الحرية»، أن «ليلة الوداع» لا تقدم حكاية امرأة بعينها، بل تقارب تجربة إنسانية أوسع، تتناول ما يمكن أن يواجهه الفرد من قيود اجتماعية وخيارات مفروضة، ولا سيما في ما يتعلق بحق المرأة في التعليم والاختيار وتقرير مصيرها. وأوضح أن المسرح لا يقتصر دوره على تقديم المتعة الفنية، بل يشكل مساحة لطرح القضايا الحساسة وتسليط الضوء على مشكلات المجتمع، مشيراً إلى أن «ليلة الوداع» تأتي في هذا الاتجاه من خلال تناول قضية المرأة من الناحية الاجتماعية، ومحاولات تقييدها التي لا تتوقف عند حد، في مجتمع اعتاد، بحسب تعبيره، على أنماط من الظلم وهضم الحقوق. وأضاف إن قضايا المرأة ترتبط بجوهر المجتمع، ولذلك ينبغي أن تبقى حاضرة في مختلف الفنون الدرامية من المسرح والسينما إلى التلفزيون، معتبراً أن ابتعاد هذه الفنون عن تناول هذه القضايا يفقدها جانباً من شرعيتها ومصداقيتها لدى الجمهور.
المسرح بين الصورة والنص
وحول الرؤية الإخراجية للعرض، أشار جوان جان إلى أن المخرج سعيد الحناوي معروف بولعه بإيجاد مسار بصري موازٍ للمسار الدرامي في أعماله المسرحية، لافتاً أن هذا الجانب بلغ ذروته في «ليلة الوداع»، من خلال الموازنة بين المادة المكتوبة وما هو مرئي على الخشبة من حركة وتشكيل وصورة مسرحية. ويعتمد العرض على عناصر بصرية متكاملة من إضاءة وسينوغرافيا وحركة مسرحية، لتشكيل عالم الشخصية وذاكرتها، بما يخلق حواراً بين النص والصورة، ويمنح المتلقي مساحة للتفاعل مع التحولات النفسية التي تمر بها البطلة.
قضية المرأة ضمن أسئلة المجتمع
وأشار جان إلى أن طرح قضية المرأة لا ينفصل عن قضايا المجتمع عموماً، موضحاً أن التهميش والمعاناة لا تقتصر على النساء فقط، إذ يرى أن المجتمع بأكمله يعيش تحت تأثير مفاهيم ومعتقدات تراكمت عبر سنوات طويلة، وشكلت حواجز أمام بناء علاقة أكثر احتراماً للإنسان، رجلاً كان أم امرأة. من جهته، أوضح المخرج سعيد الحناوي أن العمل يتابع حياة امرأة منذ ولادتها وحتى سنواتها الأخيرة، ويركز على أشكال متعددة من الضغوط التي قد يتعرض لها الإنسان داخل محيطه الاجتماعي، مؤكداً أن الهدف ليس تقديم حالة فردية، بل طرح أسئلة حول الحرية وحق الاختيار والعلاقة بين الفرد والمنظومة الاجتماعية.
تحد الأداء وتوحيد روح الشخصية
على مستوى الأداء، أشار الحناوي إلى أن تجسيد شخصية واحدة عبر أربع مراحل عمرية مختلفة كان التحدي الأبرز أمام الممثلات المشاركات، إذ اعتمد العرض على وحدة الشخصية والإحساس رغم اختلاف الأزمنة، فالحفاظ على روح «أمل» في مختلف مراحل حياتها تطلب انسجاماً كبيراً في الأداء، بحيث يظهر التحول الداخلي للشخصية قبل التحول الشكلي، ويشعر المتلقي بأنه أمام مسار حياة واحد رغم تعدد المؤديات.
من حكاية فردية إلى سؤال إنساني
من خلال هذا العرض، يطرح فريق العمل أسئلة حول الذاكرة والزمن والاختيار، ويجعل من حكاية امرأة مدخلاً لمناقشة قضايا إنسانية واجتماعية أوسع، مؤكداً دور المسرح كمساحة للحوار مع الواقع ومساءلة التحولات التي يعيشها الإنسان داخل مجتمعه.