الحرية – ميسون شباني:
يأتي “مولانا” بوصفه عملاً درامياً يسعى إلى تجاوز حدود الحكاية التقليدية، متكئاً على ثقل رمزي واضح، ومقاربة تحاول الاشتباك مع أسئلة السلطة والوعي والقداسة، غير أنّ هذا الطموح، على أهميته، يضع العمل في مواجهة اختبار صعب: هل استطاع أن يترجم أفكاره إلى بناء فني متماسك، أم بقي أسير الفكرة على حساب التنفيذ؟
أداء تمثيلي بين الحضور والنحت الداخلي
يتصدّر تيم حسن المشهد بشخصية مركّبة تتطلب انتقالاً دقيقاً بين هويتين: جابر الهارب من ماضيه، وسليم “مولانا” المصنوع اجتماعياً، في الحلقات الأولى، ينجح حسن في بناء هذا التحول عبر اشتغال واضح على التفاصيل النفسية والانفعالية، مستفيداً من حضوره الطاغي وقدرته على الإمساك بإيقاع المشهد.
لكن هذا الأداء سرعان ما يدخل منطقة مألوفة، حيث تطغى صورة “النجم” على حساب “الشخصية” تتكرر الإيماءات، وتُستعاد نبرة الأداء الحادّة ذاتها التي طبعت أعماله السابقة، ما يحدّ من تطور الشخصية ويجعلها أسيرة نمط جاهز، بدل أن تبقى مفتوحة على احتمالات درامية أوسع.

في المقابل، يقدّم فارس الحلو أداءً يُحسب له، قائماً على اقتصاد تعبيري لافت وهي شخصية “العقيد كفاح” تظهر كواحدة من أكثر الشخصيات تماسكاً في العمل، حيث تتجسد السلطة لا بوصفها صراخاً دائماً، بل كحضور بارد، محسوب، ومشحون بالتوتر الداخلي، و”الحلو” هنا لا يفرض نفسه بالصوت أو الحركة، بل بالتفصيل.. نظرة، صمت، توقيت دقيق للانفعال، ما يمنح الشخصية عمقاً يتجاوز ما كُتب لها.
أما منى واصف، فتقدّم أداءً راسخاً يعكس خبرة طويلة، لكنها تبقى ضمن مساحة رمزية أكثر منها درامية، إذ تُستخدم شخصيتها كأداة لتكريس البعد الأسطوري داخل الحكاية، في حين تظهر نور علي بأداء متوازن، يحاول التنقل بين الدوافع المتضاربة، وإن ظلّ مقيداً بحدود كتابة لم تمنحه العمق الكافي.
إخراج بين الطموح السينمائي وحدود التلفزيون
يحمل العمل توقيع سامر البرقاوي، الذي يقدّم هنا رؤية بصرية واعية، خصوصاً في بناء فضاء “الضيعة” كعالم مغلق، تختلط فيه الطبيعة بالرمز. الكادرات مدروسة، والتكوينات تميل إلى الثبات، في محاولة لعكس حالة الجمود والاختناق التي تعيشها الشخصيات.
غير أن هذه العناية البصرية لا تُستكمل بلغة إخراجية متجددة. إذ يعتمد العمل بشكل كبير على اللقطات التقليدية، مع حركة كاميرا محدودة، وإيقاع بصري يكاد يكون رتيباً في كثير من الأحيان. ومع تكرار الفضاء المكاني نفسه، يتحول الخيار الجمالي إلى عبء بصري، يُضعف الإحساس بالتطور ويكرّس شعوراً بالدوران داخل الحلقة ذاتها.
هنا يظهر التباين الواضح: طموح سينمائي في الشكل، يقابله تنفيذ تلفزيوني محافظ في الأدوات.
نص مثقل بالفكرة… ومربك في البناء
على مستوى الكتابة، يقدّم “مولانا” فكرة مركزية لافتة “صناعة القداسة” بوصفها نتاجاً اجتماعياً وسياسياً، لا حقيقة مطلقة. ينجح النص في طرح هذه الإشكالية عبر ثنائية حادّة بين السلطة العسكرية والخرافة الشعبية، واضعاً الشخصية الرئيسية في قلب هذا الاشتباك.
لكن هذه القوة المفاهيمية لا تنعكس دائماً في البناء الدرامي، فالحبكة تعاني من تذبذب واضح في التصاعد، حيث تتكدّس الأحداث دون أن تقود بالضرورة إلى ذروات محسوبة. كما يطغى الحوار التفسيري المباشر في كثير من المواضع، ما يُضعف من قدرة الصورة على السرد، ويجعل العمل أقرب إلى “نص يُقال” منه إلى “حكاية تُرى”.
إلى جانب ذلك، تتفرّع خطوط درامية لا تبدو جميعها ضرورية، فتُبطئ الإيقاع العام، وتُفقد العمل شيئاً من تركيزه.
*بين الخرافة والسلطة
رغم هذه المآخذ، يظل “مولانا” عملاً مهماً من حيث اشتغاله على العلاقة المعقّدة بين “السلطة العسكرية” و”الوعي الشعبي”. إذ يطرح بجرأة نسبية، سؤالاً جوهرياً: كيف تُصنع الرموز؟ ولماذا تتمسّك بها المجتمعات حتى بعد انكشافها؟
في هذا المستوى تحديداً، يتجاوز العمل حدوده الدرامية، ليقترب من قراءة أوسع لبنية السلطة في المجتمعات المغلقة، حيث لا يُمارس القمع بالقوة وحدها، بل عبر إنتاج معنى يبرّر هذا القمع ويمنحه شرعية ضمنية.
*”مولانا” عمل بين الطموح والإنجاز
العمل يمتلك فكرة عميقة، وأداءات لافتة في بعض مفاصله، ورؤية إخراجية واعية، لكنه يعاني في المقابل من تكرار بصري، وأداء غير متوازن، وبناء درامي غير محكم هو ليس عملاً عادياً يُمرّ مروراً عابراً، لكنه أيضاً لا يرقى، في شكله النهائي، إلى مستوى الإمكانات التي يَعِد بها.
إنه عمل يثير الأسئلة أكثر مما يقدّم الإجابات، وربما في هذا تحديداً تكمن قيمته الحقيقية.