مياه الري تصل سهول دير حافر بريف حلب الشرقي.. إنجاز يتطلب الاستمرارية وعدالة التوزيع

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – حسن العجيلي:

على أطراف قرية جب الصفا في منطقة دير حافر في الريف الشرقي لمحافظة حلب يقف الفلاح عبد الغفور العبد الله بجانب ساقية بدأت تمتلئ مرة أخرى بمياه الري، ولا يخفي فرحته وهو يرى هذا المشهد الذي يعبّر عن عودة الأمل بأن تعيد قناة الري شريان حياة للأراضي الزراعية.
وصول المياه لقنوات ري منطقة دير حافر ليس حدثاً عادياً للفلاحين بل هو عودة الروح إلى منطقة تعتمد في اقتصادها ومعيشتها على الزراعة بشكل شبه كامل، حيث تقدر مساحة الأراضي المزروعة المستثمرة بحسب الإحصائيات الرسمية بنحو 41 ألف هكتار، تعتمد اعتماداً مباشراً على قنوات الجر الممتدة من محطة ضخ البابيري حتى سهول دير حافر وريفها، لينهي تدفق المياه عبر قنوات الجر شهوراً من القلق التي عاشها آلاف المزارعين عما ستؤول إليه محاصيلهم، ولتعلن بداية موسم زراعي يأملون بأن يكون أكثر استقراراً وغلة من المواسم السابقة.

خطوة لاستعادة الاستقرار المعيشي

يضيف الفلاح عبد الغفور في حديثه لـ “الحرية”: “منذ يومين فقط أصبح وضع مياه الري ممتازاً بالنسبة لمحاصيلنا، وهذا الأمر منحنا دفعة أمل كبيرة، وخاصة أن الموسم الماضي كان صعباً جداً بسبب الانقطاعات، لكننا اليوم نشعر أن الوضع مختلف وأن الجهود المبذولة واضحة”.
ويؤكد عبد الغفور أن المزارعين دفعوا ثمناً كبيراً نتيجة سنوات الجفاف وانقطاع المياه، لافتاً إلى أن انتظام الري في موعده يمنحهم فرصة لاستعادة الاستقرار المعيشي الذي افتقدوه طويلاً.
وبين حقول القمح والشعير التي بدأت تستقبل أولى دفعات المياه، تتباين مشاعر الفلاحين بين التفاؤل الحذر والآمال الكبيرة، ففي الوقت الذي تعتبر فيه الجهات الرسمية هذا الإنجاز خطوة أساسية ضمن استراتيجية أوسع لدعم القطاع الزراعي، وخصوصاً في المناطق التي تشكّل عصب الإنتاج الغذائي لمحافظة حلب وللاقتصاد الوطني، لا يخفي الفلاحون قلقهم من عدم الاستمرار أو عدم المساواة بالري.

الموسم الماضي… خسائر لا تنسى

يختصر الفلاح محمود الأمين قلق المزارعين بعبارة “نحن لا نريد إلا أمراً واحداً، وهو ألا تنقطع المياه وقت السقاية لأن انقطاع المياه في عز الموسم الماضي تسبب بخسائر كبيرة، مضيفاً: “المحصول خسرناه مرتين: مرة بسبب الانقطاع، ومرة بسبب ارتفاع تكاليف السقاية البديلة عبر الآبار التي تحتاج للمازوت، وأغلبنا ليس لديه مصدر رزق آخر غير الزراعة”.
وشدد المزارع أمين على ضرورة تنظيم دور السقاية، لأن هذه القضية تعد مسألة أساسية لضمان وصول المياه لجميع الفلاحين، مشيراً إلى أن توفير الماء يعني بشكل مباشر نجاح المحصول واستمرار الحياة الاقتصادية للمنطقة.
ويؤكد المهندس الزراعي صالح الشاهين وهو من أبناء المنطقة بأن توفر مياه الري في المواعيد المناسبة تمكن الفلاحين من تنفيذ خطتهم الزراعية بشكل مضبوط وتنعكس إيجاباً بدءاً من زراعة القمح والشعير في الوقت المناسب، وتقليل الحاجة للري عبر الآبار المكلفة، وتخفيض النفقات التشغيلية ورفع الإنتاج والتحصيل المالي نهاية الموسم، مضيفاً إن الترابط بين الماء والزراعة والدخل يجعل مشروع الري أحد أهم عوامل الاستقرار السكاني، إضافة إلى كونه رافعة تنموية تدعم الدورة الاقتصادية المحلية.

37 متراً مكعباً في الثانية

من جانبه بيّن رئيس مكتب التخطيط والإحصاء في إدارة منطقة دير حافر أحمد محمد لـ”الحرية” أن عودة ضخ المياه بهذه السعات الكبيرة ليست مجرد خطوة فنية، بل هي قرار استراتيجي يتقاطع مع توجهات الحكومة لدعم القطاع الزراعي، الذي يشكل بدوره محوراً أساسياً في توفير الأمن الغذائي الوطني.
ويتابع رئيس مكتب التخطيط في المنطقة أن أعمال الصيانة والتنظيف الدورية لقناة الجر الرئيسية كانت خطوة محورية لا يمكن تجاوزها قبل إعادة الضخ، ومع انتهاء تلك الأعمال عاد تدفق المياه بكمية ضخ أعظمية بلغت 37 متراً مكعباً في الثانية، وهي كمية تكفي لضمان ري عشرات آلاف الهكتارات دون انقطاعات في المنطقة المستفيدة.

73 كيلومتراً من الشريان الحيوي

وأوضح محمد بأن القناة الرئيسية الممتدة على طول 73 كيلومتراً، بدءاً من محطة ضخ البابيري وحتى أقصى القرى الزراعية في محيط دير حافر، والتي تتشكل من أربع بلديات هي رسم الحرمل الإمام وكويرس وحميمة والجبول، والتي تضم هي الأخرى أكثر من 35 قرية، باتت تشكل اليوم شرياناً اقتصادياً وزراعياً يعتمد عليه سكان المنطقة بالكامل تقريباً والبالغ عددهم أكثر من 200 ألف نسمة، وتعدّ أحد أهم مشاريع الري في محافظة حلب، مؤكداً أن المنطقة الممتدة بين السفيرة ودير حافر والباب تعد من أهم مناطق إنتاج القمح الاستراتيجي والخضراوات التي تغذي محافظة حلب، ومع استقرار تدفق المياه يصبح بالإمكان ضمان وفرة الإنتاج وتقليل الحاجة لاستيراد أصناف أساسية خلال الموسم المقبل.
وأضاف رئيس مكتب التخطيط في المنطقة أنه مع عودة المياه تتنوع المزروعات بين القمح والشعير وبعض الخضراوات الموسمية ما يعني استثماراً أكثر فعالية للأراضي القابلة للري وخلق دورة زراعية كاملة تشمل الفلاحين والأسواق والنقل والمراكز التسويقية وبعض الصناعات القائمة على الحبوب والخضراوات، منوهاً بأن هذا التنوع الزراعي يرفع من قيمة الأرض الاستثمارية، ويجعلها مورداً اقتصادياً مستداماً.

تحديات تحتاج لحلول

وبالرغم من التفاؤل العام لدى المزارعين في منطقة دير حافر ما زالت هناك تحديات تواجه المزارعين، من أبرزها الحاجة لضمان عدم انقطاع المياه، وتطوير شبكات الري الفرعية وتنظيم أدوار السقاية والحد من التعديات على القنوات ودعم الفلاحين بتكاليف الإنتاج المتزايدة، وهذه التحديات وبحسب آراء الفلاحين قابلة للحل ضمن سياسات واضحة، خصوصاً أن المنطقة تشكل قيمة اقتصادية مباشرة لا يمكن تجاهلها.

مياه تنعش الآمال

عودة مياه الري إلى دير حافر ليست مجرد عملية فتح بوابات قنوات الجر، بل تشكل خطوة تنموية واقتصادية عميقة تعيد تشكيل واقع منطقة كاملة، وتنعكس مباشرة على الأمن الغذائي المحلي والوطني، وعلى حياة آلاف الأسر التي تعيش من عرق الأرض ومن خيراتها، ومع بدء الموسم الجديد يقف الفلاحون اليوم أكثر أملاً وأكثر ارتباطاً بأرضهم، بانتظار أن يكون هذا العام عام خير واستقرار، وأن يبقى الماء حاضراً ليمنح الزراعة السورية فرصة جديدة للنهوض.

Leave a Comment
آخر الأخبار